فهرس الكتاب

الصفحة 8897 من 9994

في البداية رفضت أن أراه بحجة أنني أريد إكمال دراستي الجامعية، وعندما نقل أهلي رغبتي هذه قال: إنه لا يمانع إطلاقاً من ذهابي إلى الجامعة، وتحت إلحاح وضغط من الأهل قررت أن أراه، ثم بعد ذلك اقتنعت بوجهة نظر أهلي، وذهبت إلى صديقي الأول وأخبرته بشأن العريس، فجنّ جنونه، وهددني بفضح أمري له، ورفض أن يعطيني مذكراتي ورسائلي وصوري التي سبق وأخذها مني، وقال: إنه لن يتنازل عن هذه المستمسكات، وأنه سيسلمها للعريس المتقدم إليّ، واتهمني بأنني خدعته وتخلّيت عنه.

قلت له: إن كل شيء في هذه الحياة نصيب، وعليه أن يتقبل رغبتي واختياري بسعة صدر، لكنه رفض إعادة صوري ورسائلي، فتشاجرت معه واتّهمته بأنه إنسان انتهازي بلا أخلاق، يريد إرغامي على علاقة لا أريدها، فازداد ثورةً وغضباً، وأقسم أنه لن يعيد إليّ أشيائي الخاصة.

حاولت أن أكلمه أكثر من مرة لكنه يتهرب مني، وأنا خائفة من افتضاح أمري.

ماذا أفعل حتى أتخلص من هذا المأزق؟!"اهـ."

هذه الضحية تبين لنا ذلك الحبل الذي تضعه بعض الفتيات حول عنقها، ولا تنتبه له إلا حين يشتدّ على عنقها فيخنقها.

ولا شك أن هذا الموضوع خطير جداً، وتبدأ خطورته يوم تتنازل الفتاة عن حشمتها وعفتها، وعن شرفها الذي تمتاز به، فتكون سلعة مستهلكة، تتعرف على الشباب وتقيم معهم العلاقات، حتى إذا ما حصلوا على ما يريدون ألقوها جريحة، تحمل ثقل الصدمة، وتقلب صفحات الماضي..

لا تصحبن رفيقاً لست تأمنه بئس الرفيق رفيقا غير مأمونِ

ونصيحتي لمن كان هذا حاله، أن تقطع علاقتها مع أمثال أولئك الذئاب، مهما كان تهديدهم ووعيدهم، فإن الأمر وإن كان خطيراً ومريراً، إلاّ أنه مع الاستمرار سيكون أخطر وأمرّ، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ومن صدق مع الله، صدقه الله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً} .

تذكّري ـ دائماً ـ هذه الآية العظيمة، واحفظيها وردديها، وتوكلي على الله، ولن يضرك بعد ذلك شيء بإذن الله تعالى الذي له مقاليد السماوات والأرض، ويدبر الأمور ويصرفها كيف شاء، {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} .

اللعبة..

بالرغم من أن جميع قصص المعاكسات هي لُعبة في الأصل.. إلا أن هناك حيلاً وألاعيب يتعجّب الإنسان كيف تمُرّ على ذي عقل وفطنة؟!.. ولكنها على كل حال تقع، ولا يشعر بها المرء إلا وقد وقعت.

وإن قلنا بعبارة أصح وبوضوح أكثر، فإن هناك مؤامرات تجري على بعض الفتيات من خلال محاولة صاحب هذه المؤامرة زخرفتها بأسماء برّاقة، ومعان أخّاذة تنطلي على الفتاة بسرعة، دون أن تشعر بها..

والذي جعلنا نطلق عليها اسم (اللعبة) بالذات، لأنها حقيقة تختلف عن غيرها، وذلك لصعوبتها وجرأة فاعلها..

فإن بعض الشباب المعاكس ـ هداهم الله إلى ما فيه رضاه ـ لم يكتفِ بالعلاقات التي يقيمها مع بعض الفتيات المنحرفات الساقطات، اللاتي اتخذن هذا الفساد عادة.. بل إنه يذهب إلى فتاة أو امرأة مسكينة لا تعرف المعاكسات فيتسبّب في ضياعها وضياع دينها ومستقبلها من خلال لعبة دنيئة، وهي: عرضُه الزواج منها، ولكن بصورة مختلفة هذه المرَّة..

وكيف ذاك؟..

الذي يحدث ـ ومع الأسف ـ الشديد عند بعض الأسر المتساهلة:

إذا تقدم رجل لخطبة ابنتهم فإنهم يسمحون لها أن تخرج معه في فترة الخطوبة، فيذهب بها يمنة ويسرة بحجة أنه يريد التعرّف على أخلاقها.

(والخطبة وعد بالزواج وليست زواجاً) ، وهذا فعل قبيح، وعمل باطل لا يجوز شرعاً، وينافي الأخلاق الطيبة والصفات الحميدة التي يتمتع بها المسلم الغيور على دينه وعرضه.. لأنه لو حدث واعتدى ذلك الرجل على هذه الفتاة فإنه يسهل له التخلي عنها وتركها دون الالتفات إليها، لأنه لا شيء يربطه بها، فهي امرأة غريبة عنه كغيرها من النساء، وليست زوجة.

ولذا فإن بعض الشباب يجد له مدخلاً في ذلك.. فإذا أراد امرأة بسوء وقد بيّت النية السيئة لها فإنه يقوم بخطبتها وكأنه يريد الزواج منها، وفي فترة الخطوبة والذهاب والإياب معها والتساهل من جانب الأهل يأخذ منها أعزّ ما تملك، ثم يُولي مدبراً عنها، تاركاً لها الحسرة والندم، ولعل سائلاً يسأل: وهل يُعقل أن يحدث مثل هذا؟‍.

نقول: نعم..

تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي مربض المستنفر الحامي

وتأمّل ذلك جيداً..

تقول إحدى الضحايا:"أنا فتاة أبلغ من العمر التاسعة عشرة، في السنة الأولى من الجامعة، اعتدت أن أراه عند ذهابي وعند عودتي من الجامعة، في كل مرة يبادلني التحية، وتصادف أن التقينا في مكان عام، فتقدم إليّ وتعاهدنا على الزواج، ثم تقدم لخطبتي."

وعشت أياماً سعيدة، وفي ذات يوم حدث بيني وبينه لقاء فقدت فيه عذريتي، ووعدني أن يسرع بالزواج، وبعد عدة شهور من لقائنا اختفى من حياتي، وأرسل والدته لتنهي الخطوبة، ولتنهي معها حياتي كلها، فالحزن لا يفارق عيني، أعيش في سجن مظلم مليء بالحسرة والتأوه والأسى.

لا تقولوا: إن الأيام كفيلة بأن تداويني بنعمة النسيان، فكيف أنسى ما أصابني من الذي أعطيته كل شيء، وجعلني لا أساوي شيئاً؟؟!"اهـ."

هذه الحكاية المؤلمة أتوجّه بها إلى كل فتاة حتى تعرف حقيقة ندندن عليها دائماً، وهي: أنه من تعرّف على امرأة قبل الزواج، إما أن تكون هذه عاقبتها، أو على الأقل لن يرضى أن يرتبط بها كزوجة.

وأتوجّه بها إلى المتساهلين الذين فقدوا درجة عالية من الغيرة، فلا يعلمون أين تذهب بناتهم! ولا يتفقدونهن مهما طال غيابهن!.

وأيضاً أتوجه بهذه القصة إلى دعاة الاختلاط، فإنهم كانوا شركاء في وقوع هذه الفتاة ضحية للعبة دنيئة، بل ليست هذه الفتاة فقط، وإنما غيرها كثير.. {فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم وويلٌ لهم مما يكسبون} .

لاترجُوَنّ من الأنكاس مكرمةً إن المكارم لا تأتي لمرتعدِ

تمضي الفضيلة لا شهمٌ يناصرها ولِلْخَنا ألف صمام ومُنجرد

وللمآثم أبوابٌ مفتحةٌ وشرّها خُلوةُ الشبان بالخُرُدِ

نهاية العبث…

لا أدري لماذا أجدني متأثراً كلما عاودت قراءة هذه القصة التي لازلت أحتفظ بها منذ زمن بعيد بين ركام أوراقي المتناثرة.

هذه القصة حصلت منذ زمن ليس بالقريب، تجسد معاناة حقيقية يبثها صاحبها، وتمثل نهاية حقيقية لقصة لا يستغرب أن تكون هذه نهايتها.

حقا إنها كلمات مؤثرة، يحوطها الحزن والهم من كل جوانبها، وعلى قدر ما تحمل من الحزن على قدر ما كانت موعظة لثلة لا زالت تتمسك بالعفاف الأصلي لا المصطنع.

أنشأ يروي قصته يقول:

"منذ سنتين كنت أسكن بيتاً بجانبه جارة لنا، ما ضمت البيوت مثلها حسناً وبهاء، فألّم بنفسي بها من الوجد ما لم أستطع معه صبراً، فما زلت أتأتى إلى قلبها بكل الوسائل فلا أصل إليه، حتى عثرت بمنفذ الوعد بالزواج، فانحدرت منه إليها، فأسلس قيادها، فسلبتها قلبها وشرفها في يوم واحد، وما هي إلا أيام قلائل حتى عرفت أن جنيناً يضطرب في أحشائها، فأسقط في يدي، وذهبت أفكر.. هل أفي لها بوعدها أم أقطع حبل ودها؟؟"

فآثرت الثانية، وهجرت ذلك المنزل الذي كانت تزورني فيه، ولم أعد أعلم بعد ذلك من أمرها شيئاً..

مرت على تلك الحادثة أعوام طوال، وفي ذات يوم جاءني منها مع البريد هذا الكتاب فقرأت فيه ما يأتي:

"لو كان لي أن أكتب إليك لأجدد عهداً دارساً، أو وداً قديماً ما كتبت سطراً، ولا خططت حرفاً، لأني أعتقد أن عهداً مثل عهدك الغادر، ووداً مثل ودك الكاذب، لا يستحق أن أحفل به فأذكره، أو آسف عليه فأطلب تجديده."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت