حقيقة إنك لتقف حائراً لما ترى من تغيّر أحوال الناس وتنكبهم الصراط المستقيم، وانجرافهم إلى بحرٍ متلاطم الأمواج شديد الظلمة بعيد قعره ليس فيه إلى النجاة من سبيل، وأعجب من ذلك أنهم لا يعرفون إلى أين هم ذاهبون، وعلى أي طريق يسيرون، وإذا جاءهم ناصح أمين تولوا وهو معرضون.
ليل من الغمّ أم فجر من الكمد واضيعة الحق فيك اليوم يا بلدي
أرثي لقوميَ أم أغضي على ألمي شجىً بحلقي وأجبالاً على كبدي
نشكو إلى الله من دهياء كالحةٍ أعمت بصائرنا عن مسلك الرشد
وكلما نظرت إلى جهة من الأرض وصوبت النظر وجدت ما يبكيك ويستمطر أدمعك، ويقتل فيك الإحساس بالسعادة، مما غزا ديار المسلمين من الانحراف.
وحسبك أن تسدّ ثغرة أو تقول كلمة لعل الله أن يصلح به، والإخلاص رأس الأمر كله.
والدنا حكم علينا بالعنوسة..
إن من المسلّم بداهة أن الوالد لا يهنأ له بال حتى يرى أبناءه في غاية السعادة، وإن مما يصعب تصوره أن يكون الوالد سبباً في شقاء أبنائه وتعاستهم، ولكن هذا يحدث عندما يتبخر حنان الأبوة من ذلك القلب، وتحل القسوة بدلاً عنه، أو حين يفقد الإحساس ويخيّم الجهل على حياته، وتضرب الغشاوة على عينيه فلا يعود يميز شيئاً، وحينئذ فإن كل ما يحدث إنما هو نتيجة طبيعية وردة فعل متوقعة وعلى اختلاف النتائج والآثار فإن مؤداها واحد في الأصل وسببها يدور حول شيء واحد هو: قسوة الآباء وبعدهم عن مراقبة الله جل وعلا وخوف عقابه.
فلقد بلغ ظلم بعض الآباء لبناتهم إلى درجة كبيرة تحمل في طياتها كل معاني الأسى والحسرة، بعضهم جهلاً وبعضهم غفلة وبعضهم استغلالاً وبعضهم ربما يكون نتيجة مرض نفسي هو نفسه لا يعرف سببه، ولقد جاءت السنة النبوية محذرة من الظلم وعقوبته ومبينة فضل تربية البنات والصبر عليهن، واحتساب الأجر في تربيتهن، وموصية بإحسان الصحبة لهن، منها قوله صلى الله عليه وسلم:"بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا، البغي والعقوق" [1] .
وقوله صلى الله عليه وسلم:"من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار" [2] .
وقوله صلى الله عليه وسلم:"من كان له أختان أو بنتان فأحسن إليهما ما صحبتاه كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وقرن بين إصبعيه" [3] ، وقوله صلى الله عليه وسلم:"استوصوا بالنساء خيراً" [4] .
ومثل ذلك كثير في السنة النبوية، وهذا تشريع رباني لأنه أعلم بأحوال هذا الجنس وضعفه ولو أبدت المرأة غير ذلك.
ألا وإن الدافع وراء هذه الكلمات تلك الأنات الحزينة التي صدرت من قلوب جريحة تحتاج إلى الأمل كما يحتاج الضرير إلى ذبالة نور.
فقد كثرت الشكوى من كثير من الفتيات، تشتكي الواحدة منهن والدها الذي تسبب في جلوسها (عانساً) حبيسة الجدران من غير زوج يؤنس وحشتها ويعينها على صعوبة الحياة وقسوتها، وطفل تحتضنه وتلاعبه يكون سبباً في سعادتها، وكأن لسان حالها يقول:
لقد طال هذا الليل واسودّ جانبه وأرّقني ألا ضجيع ألاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره لحرّك من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيباً موكلاً بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه
وبعضهم يعلل ذلك بأعذار واهية، وربما لا يعلل رفضه المستمر من تزويج ابنته، طمعاً في راتبها التي تتقاضاه نظير عملها، أو لأنه يريد أن يبيعها بمبلغ خيالي يسميه مخادعة (بالمهر) !! أو لشيء أضمره في نفسه لا يريد الإفصاح عنه، أو ربما يكون هو نفسه لا يدري لماذا، ولكن هكذا كان!!!
حقيقة إن الأمر غاية في الغرابة، فهذا الرجل وأمثاله ألا يشعرون؟!
ألا يتذكر أحدهم الفراغ الذي كان يسيطر على حياته قبل زواجه؟
ألم يكن محتاجاً إلى الدفء العاطفي والاستقرار النفسي؟
ألم يكن متشوقاً لرؤية أبنائه؟
بل وبصراحة.. ألم يكن محتاجاً إلى قضاء وطره وإشباع غريزته؟
فلماذا لم يفكر فهل المرأة تختلف؟!!
وإن كنت متعجباً فاعجب من ذلك الرجل (المريض) الذي لم يستفد من تجاربه في الحياة، ولم يتعلم من حوادث الزمان ما يكون سبباً في رسوخ عقله، وبلوغه الحكمة في التعامل مع الأحداث.
أحدهم عندما عوتب على عدم تزويج ابنته (الموظفة) قال: أزوّج فلانة؟! أتريدون أن أموت من الجوع؟!!.
واستمع بنفسك لما تقول صاحبة المأساة حتى تتصور عظم المصيبة وإلى أي مدى وصلت.
تقول:"كنا مجموعة من الفتيات على استقامة وخلق، وسبب رفض آبائنا المستمر لمن يتقدم لطلب الزواج منا ـ بحجج واهية ـ فقد انحرف جميع صديقاتي وأصبحن من (أهل الهواتف والمواعيد) لأن آباءهن رفضوا تحصينهن بالزواج الشرعي.. وكم من واحدة منهن تقول لي ماذا تنتظرين؟ وتجدد لي الدعوة بين حين وآخر، وأنا لم أزل أقاوم، ويعلم الله كم أعاني في سبيل القبض على ديني ولكني أخشى ألاّ يدوم هذا طويلاً، وأنجرف كما انجرف صاحباتي اللاتي كلما عاتبت واحدة منهن على انحرافها تقول: والدي هو السبب..!".
وأخرى تصرخ:"والدنا حكم علينا بالعنوسة والتعاسة"، وتروي قصتها فتقول:"نحن أربع بنات مستوى عائلتنا متوسط، ومستورون، ومشكلتنا ومع الأسف الشديد في والدنا فهو من النوع الذي يعشق المظاهر، وحكمه على البشر يرتكز في الأساس على الناحية المادية البحتة، فالرجل في نظره هو صاحب الجيوب المليئة بالنقود، وليس من يتمتع بأخلاق كريمة عالية من شرف، وشهامة، وثقافة، ورجولة..، وهذه هي الطامة الكبرى التي حطمت حياتي أنا وأخواتي."
كنا نحن البنات الأربع قمة في الهدوء والنظام والاجتهاد في المدرسة، كانت أمي حريصة كل الحرص على معرفة صديقاتنا والتقرب منهن خوفاً علينا وعلى سلوكيّاتنا وأنهيت أنا وأخواتي دراستنا الجامعية ووفقنا الله في أن نتولى وظائف محترمة في سلك التدريس، وبدأت المشاكل عندما تقدم لخطبتي أخٌ لإحدى صديقاتي وكان شاباً يتمتع بأخلاق عالية، وقد تقدم لخطبتي سبع مرات وفي كل مرة كان والدي يرفض زواجي منه لأنه من عائلة عادية ولا يملك أموالاً وشركات وأملاكاً، وحاولت والدتي مساعدتي وإقناع والدي ولكنها لم تفلح وأصر هو على رفضه، وذهب هذا الشاب وتزوج من أخرى، بعدها تقدم شاب آخر يعمل في سلك التدريس ومن أسرة طيبة وكريمة لكن ليس له مورد مادي سوى الراتب، وهو يملك السمعة الطيبة والأخلاق الكريمة والسيرة الحميدة، وأيضاً رفضه والدي لأنه فقير ولا يملك المال والجاه وبالأصح لأنه ليس بصاحب مظهر كذاب مدعياً والدي بأن هذا الرجل لن يسعدني وليس بمقدوره ضمان حياة عالية المستوى، وأيضاً ذهب هذا الشاب وتزوج بأخرى.. وفي كل مرة يتقدم لخطبتي شخص يرده والدي لأنه ليس بغني ولا يملك الثروة والجاه، مع العلم أن حالتنا متوسطة ولسنا أغنياء، وكل شخص يتقدم لخطبتي يحكم عليه من المرة الأولى بالفقر وأنه لن يسعدني، وأيضاً قاسى أخواتي الثلاثة نفس المعاناة وشربن من نفس الكأس التي شربت منها، والحقيقة أننا لم نستطع الوقوف والصمود أمام تحكم والدنا وصرنا نعاني من الألم والحزن بعدما أصبحنا (عوانس) نتحسر على الأزواج والأطفال والحياة الأسرية.
فأصبح عمري تسعة وثلاثين، وأختي في الثامنة والثلاثين، والتي تليها في السادسة والثلاثين، والصغرى بلغت الخامسة والثلاثين.