قد حدث الله عزَّ وجلَّ عن مشهد البعث العجيب الغريب الرهيب الذي تشيب منه مفارق الوليد، فقال: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [يس:51] ينسلون: يخرجون من القبور، كل واحد ينسل من قبره، والأجداث هي القبور، من يوم أن يُنْفَخ في الصور تراهم ينسلون. قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس:52] يقول هذا أهل الكفر والنفاق يقولون: مَن ردنا إلى هذه الحياة؟! فيرد عليهم أهل الإيمان: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52] يقول هذا المصدق صاحب الإيمان: هذا البعث وهذا الخروج وهذا النشور هو ما وعد الله به وصدق المرسلون حينما أخبروا بالبعث، وهاهو اليوم يتحقق، قال عزَّ وجلَّ: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس:53] .
أعلى الصفحة
نزول ماء من السماء تنبت منه أجساد العباد
قد جاءت الأحاديث الصحيحة الصريحة مُخْبِرة بأنه يسبق النفخة الثانية نزول ماء من السماء، ينزل هذا الماء في فترة زمنية محددة بأربعين قيل: أربعون سنة، وقيل: أربعون يوماً، والخلاف وارد فيها، فبين النفخة الأولى التي يموت فيها الناس والنفخة الثانية التي يبعث فيها الناس، فترة زمنية ينزل فيها ماء من السماء كمَنْي الرجال، وهذا الماء تنبت منه أجساد العباد، كما تنبُت من الماء ثمار الأرض وخيرات الأرض، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم والحديث في صحيح مسلم ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: (ثم يُنْفَخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً) والليت هو صفحة العنق، أي: إذا سمعوا الصوت فكل واحد ينتبه، من باب الاستعداد والترقب والتوجس لسماع هذه الصيحة، (وإن أول من يسمعه رجلٌ يلوط حوض الإبل -أي: يغسله- فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله، أو قال: ينزل الله مطراً كأنه الطل، فتنبت منه أجساد العباد، ثم يُنْفَخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون) .
أدلة البعث والنشور
تنبت أجساد العباد كما تنبت الحبة في حميل السيل من الماء الذي ينزل من السماء، ثم تأتي النفخة الثانية والأجساد جاهزة بمجرد رجوع الروح، الروح قد خرجت ومات الإنسان؛ لكن إذا أعيد الجسد تأتي الروح ليقوم الإنسان مثلما يقوم من النوم، وإنبات الأجساد من التراب من معدنها الأصلي، فإن الإنسان في الأصل من أين جاء؟! من التراب: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ [غافر:67] فالإنسان أصله مخلوق من التراب، ثم إذا مات يعود ويتحلل ويفنى، ويذهب في التراب، ثم إذا أراد الله إنباته مرة ثانية أخرجه من التراب: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55] فمن الأرض خُلِقْنا، وإليها نعود، ومنها نخرج، فهي أمنا، هي الكافتة، الله يقول: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً [المرسلات:25-26] أحياءً تكفتهم، وأمواتاً تكفتهم، تكفتهم على ظهرها وتكفتهم في بطنها.
بعث الناس يشبه إنبات النبات
يقول عزَّ وجلَّ وهو يخبر عن مثال يضربه للناس في قضية الإحياء بعد الموت بالقياس على إحياء الأرض بعد موتها؛ لأن إنباتَ الأجساد يماثل إنبات الأرض إذا نزل الماء عليها، ولذا فإن الله قد أكثر في القرآن الكريم من ضرب المثل للبعث والنشور بإحياء الأرض بالنبات الذي ينبت عقِب نزول الغيث؛ لأنه مساوٍ له، يقول عزَّ وجلَّ: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ [الأعراف:57] سبحان الله! كيف يسوق الله الغيث؟! السحاب يأتي من هنا، يطلع من البحار، ثم يتخلل إلى السماء، ثم يرسل الله الرياح فتسوقه، ثم يقسِّمه الله على الأرض بحكمة وعدل، يقول الله عزَّ وجلَّ: يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ [الشورى:27] أي: ما تنزل قطرة في الأرض إلا بتقدير من السماء، تجد السحب تمر على أبها وتمر على الخميس، وتذهب في وسط الصحراء فتُنَزِّل، لِمَ لَمْ تُنَزِّل هنا؟! لِمَ لَمْ تُنَزِّل في الخميس؟! لِمَ لَمْ تُنَزِّل في أبها ؟! مَن الذي أوصلها إلى بيشة ؟! مَن الذي أوصلها إلى وادي الدواسر ؟! مَن الذي يسوقها؟! إنه الله تبارك وتعالى. فالله هو الذي قال: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [الشورى:28] . فيقول عزَّ وجلَّ: حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأعراف:57] كما أحيينا الأرض بعد موتها نحيي الناس بعد موتهم. أنت الآن عندما تأتي إلى شجرة بعد المطر، كانت غبراء والأرض كانت غبراء؛ ولكن بعد نزول الغيث وبعد أسبوع أو أسبوعين فتأتي وإذا بالأرض خضراء، وقد نبتت من تحت الشجرة زهور حمراء وزرقاء وخضراء وصفراء، ونباتات ملونة، يقول الله عزَّ وجلَّ: فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج:5] فأين كانت هذه البذور؟! في الأرض موجودة، ولماذا لم تنبت؟! لأنه ليس هناك ماء، فلما جاء الماء طلعت. إذاً: بذور البشر الآن الذين قد ماتوا من آدم إلى يومنا، أين هي الآن بذورهم؟! موجودة في الأرض، لماذا لا ينبتون؟! لأنه لا يوجد ماء ينبتهم، إذا جاء ماؤهم من السماء نبتوا سواءً بسواء. ويقول عزَّ وجلَّ: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ [فاطر:9] أي: كذلك البعث. ويقول عزَّ وجلَّ: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق:9-11] أي: كذلك البعث يوم القيامة. ويقول عزَّ وجلَّ: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى [الروم:48-50] الذي أحيا الأرض بعد موتها إنه لمحيي الموتى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الروم:50] .
أعلى الصفحة
الإعادة أهون من البدء