فهرس الكتاب

الصفحة 9458 من 9994

يقول عزَّ وجلَّ في سورة الحج وهو يلفت نظر الناس الذين يكذبون بالبعث إلى عملية الخلق التي تتم الآن يومياً، ما من يومٍ يمر على الناس في أي بلد وفي أي قرية وفي أي مدينة إلا ويأتي مولود جديد، يذهبون بأمه إلى المستشفى، وتلد، ويأخذون طفلاً، فينظرون فيه، فيقولون: سبحان مَن خَلَق! وأمه -التي هو في بطنها- لا تعلم عنه شيئاً، وإذا به مُصَوَّرٌ ومُرَكَّبٌ مِن عينين، وسَمْع، وبصر، ولسان، وفؤاد، ويَدَين، ورِجْلَين. مَن الذي خلق هذا الإنسان؟! ومَن صوَّره؟! ومَن ركَّبه؟! ومَن شقَّ سمعه؟! ومَن شقَّ بصره؟! ومَن نفخ فيه الروح؟! مَن أعطاه هذا التناسق، وهذا البناء العظمي، والبناء الهضمي، والبناء الدموي، والبناء التنفسي؟! كل أجهزته متناسقة ومنظَّمة، ما رأيكم لو جاءت خلية الرِّجْل عند رأسه؟! فطلعت رِجْلُه في رأسه وعينه في رجله؛ لأنه ما من جزئية من جزئياتك إلا ولها في الأصل خلية صغيرة، فخلية العين تنبت عيناً، وخلية الإصبع تنبت إصبعاً، وخلية السمع تنبت سمعاً، وخلية الرِّجْل تنبت رِجْلاًَ؛ لكن وقت أن تضع هذه النطفة في رحم الأم فإن الخلايا كلها تكون موجودة، وكل خلية في مكانها، لا تتحرك حركة واحدة عن مكانها الثابت، ثم يحصل التوقيع، ويحصل النمو في تطور مراحل التقويم، ثم يجعل الله هذا الطفل في قرارٍ مكين، يقول الله: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات:20-24] . يخرج الطفل هذا وإذا به مخلوق، فمَن خلقه؟! الله. حسناً.. الذي خلقه أليس قادراً على أن يعيده؟! لا إله إلا الله! وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الروم:27] يذكر الله تبارك وتعالى في سورة الروم أن الإعادة أسهل من البداية. عندما تبني جداراً ثم تهدمه، فإعادته أسهل من بدايته، لماذا؟! لأنك عندما بدأته جئت بحجارة، وجئت بطوب، وتعبت؛ لكن لَمَّا ترده فكل شيء موجود، الأعضاء موجودة؛ وهذا في مقاييس البشر، ولكن ليس عند الله أهون ولا أصعب؛ لأنه على كل شيء قدير. يقول عزَّ وجلَّ في سورة الحج: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج:5-7] فالله تبارك وتعالى ذكر في القرآن عملية البعث، واستشهد عليها بمثالٍ يَتِمُّ الآن أمام أبصارنا وهو: إحياء الأرض بعد موتها، والذي أحياها قادرٌ على إحياء الناس بعد موتهم. وهناك مماثَلة ومشابَهة بين إعادة الأجسام في إنباتها وبين إنبات النبات بنزول الماء، فإنها إذا نزل عليها الماء في الأرض تحركت وأنبتت ودبت فيها الحياة، وضربت الجذور في الأرض وسُقِيَت بماء السماء، فإذا هي نبتة خضراء جميلة فيها ثمار.

أعلى الصفحة

الإنسان ينبت من عجب الذنب الذي لا يبلى

كذلك الإنسان في الآخرة يتكون ويبدأ مِن عظمٍ صغير، عندما يصيبه الماء الذي ينزل من السماء ينمو ويعود كما كان، وهذا العظم هو عَجْبُ الذنب، وهو عظم صغير في آخر السلسلة الفقرية -العمود الفقري- يَفْنَى الجسد، أو يُحْرَق، أو يُفَتَّت، أو يُطْحَنَ، وهذا العظم الصغير لا يَفْنَى. توجد بذور الآن تُحْرَق حرقاً، بل تُهْضَم وتؤكل وتتحوَّل، وإذا خرجت إلى الخارج تجدها تنبت، مثل بذور الطماطم، إذا أكل الإنسان الطماطم، وبعد أن يأكلها ويهضمها وتقطعها معدته، ثم إذا تغوط في الخلاء، وجاء المطر ترى نبت الطماطم يخرج، من أين؟! من النبتة التي ما هضمتها المعدة. كذلك هذه الحبة عَجْبُ الذنب الموجودة في آخر العمود الفقري؛ يَفْنَى كل شيء في الإنسان إلا هي، إلى أن ينزل عليها ذلك الماء من السماء. وأصل الذنب في آخر العمود الفقري دل عليه الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بين النفختين أربعون، ثم ينزل من السماء ماءٌ فينبتون كما ينبت البقل، وليس في الإنسان شيءٌ إلا يَبْلَى، إلا عظم واحد وهو عَجْبُ الذنب، منه يُرَكَّب الإنسان يوم القيامة) . وهذا العظم في آخر العمود الفقري، قال في الحديث: (إن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً، منه يُرَكَّب يوم القيامة، قالوا: أي عظمٍ هو يا رسول الله؟! قال: عَجْبُ الذنب) . وفي رواية في صحيح البخاري وفي الموطأ أيضاً، وعند أبي داوُد ، والنسائي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عَجْبُ الذنب منه خُلِق وفيه يُرَكَّب) .

حفظ الله لأجساد الأنبياء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت