لا إله إلا الله ما أغفل الإنسان! لا إله إلا الله ما أجفى الإنسان! لا إله إلا الله ما أظلم الإنسان! يوم يأتي من بطن أمه لا ملابس له ولا منصب ولا وظيفة ولا بيت ولا سيارة ولا جاه، ليسقط قطعة لحم على الأرض وهو يبكي، فإذا ما بصَّره الله وعلمه وأنبته وتملك، وأصبح له وظيفة، وأصبح ذا منصب وسيارة وجاه؛ نسي الله، وتمرد على حدود الله، وانتهك محارم الله وحدوده، فأين العقول؟!
وأين الأسماع؟!
وأين الأبصار؟!
الله يقول من فوق سبع سماوات: {الكبرياء إزاري، والعظمة ردائي، من نازعني فيهما عذبته } الله أكبر كبير، وأعظم عظيم، وأغنى الأغنياء، وأما أنت أيها الإنسان ففقير بن فقير، مسكين بن مسكين، إن لم يسترك الله افتضحت.
فيا عباد الله! يا من أتى إلى بيوت الله! يا من عود نفسه الصوم، وسجد في التراب لله!
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً
قصة قارون وما فيها من عبر
هل الشرف المال؟
كان قارون أعظم من ملك المال في الدنيا، ثم لعنه الله لعنة تحيق به؛ لأنه ما عرف الله، آتاه الله مالاً وقال: يا قارون ! خف من الله في المال، اتق الله في هذا المال، المال وديعة عندك يا قارون ! أنت مسلوب أنت ومالك، ونحن ماذا نملك مما ملكه قارون ؟
إن كان عند أحدنا فلة أو سيارة، أو بعض الأبناء، أو وظيفة فما تساوي ذرة من ذرات كنوز قارون .
قارون كانت مفاتيح كنوزه تنوء بها العصبة من الرجال، عشرة من الرجال لا يستطيعون حمل المفاتيح، فما بالك بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، فماذا فعل؟
خرج في أبهة وجبروت وكبر، والإنسان إذا نسي الله وما أصبح عنده صلاة ولا أوراد، جفل قلبه وأصبح قطعة حجر، أصبح قلبه مثل قلب الثور، لا يعي ولا يعرف ولا يفقه، يأكل ويشرب لكن له قلب لا يفقه به، له سمع لا يسمع به، وبصر لا يبصر به، فقارون أعطاه الله المال وقال: خف من الله في هذا المال، إنما هو يمتحنك الله به، لا تظن أن الأغنياء والتجار أعطاهم الله المال إكراماً لهم، لا. قال تعالى: كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً [الإسراء:20-21] فهذه الحياة حياة تافهة، كالحمار يأكل ويشبع، لكن يقول الله عز وجل: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16] وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35] .
الخواجة يسكن في الدور العاشر، والمسلم لا يجد كسرة خبز وقطعة من الخيمة في الصحراء؛ لأن الجنة أعدها الله لأوليائه تبارك وتعالى.
خرج قارون ومعه حلة يتبختر فيها، فقال له علماء قومه: اتق الله! وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ [القصص:77] وعظوه.
كما يفعل بعض الناس الآن إذا أغناه الله بعد الفقر، وأَصَحَّ جسمه بعد السقم، وآتاه ذرية بعد أن لم يكن عنده ولد، نسي الله فتجبر على عباد الله، وصعَّر خده لأولياء الله في أرض الله، فقارون فعل مثل ذلك.
قالوا له: اتق الله، قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص:78] الله يدري أنني أستحق الملك، أنا أخذته بعرق جبيني وجهدي وذكائي ودهائي، وهو كذاب على الله، دجَّال ما منحه المال إلا الله، ولا يرزق إلا الله، والله الذي لا إله إلا هو إن لم يرزقك الله؛ فلن يرزقك أهل الدنيا ولو اجتمعوا عن بكرة أبيهم، مفاتيح الخزائن والمال بيد الله عز وجل، القطر بيديه، الرزق بيديه، الإحياء والإماتة بيديه تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:1-3] .
سبحان الله! كيف ينسى الإنسان؟!
أما يتذكر يوم أن كان ضعيفاً في بطن أمه، كان قطعة لحم لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق ولا يتكلم، فلما أصبح قوي البنية، ويلبس ما شاء من الملابس أصبح لا يرى الناس شيئاً، خف من الله، لمن البقاء إلا لله..
لمن الغنى إلا لله..
لمن القوة إلا لله..
وانظر إلى أحوال الناس تجاه الدنيا وزينتها، فإن قارون لما خرج علىقومه في زينته الدنيوية قال بعض قومه ممن قصرت عقولهم عن معرفة حقيقة الدنيا: قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ [القصص:79] .
بعض الناس يظن أن الإنسان إذا أُمْهِلَ في الدنيا ورزقه الله أبناء وأولاداً وقصوراً وفللاً وعمارات وسيارات ظن أن الله يحبه، ولا يدري هذا الإنسان أنه قد يكون أعدى عدوٍ لله في الأرض، ويمكن أن يكون حسابه أن يكب على وجهه في النار، ولا يدري أنه قد يكون أكبر فاجر على المعمورة.
لكن الناس يختلفون في عقولهم وفي بصائرهم: قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [القصص:79] أي: إن لقارون مكانة عظيمة عند الله، وإن ما عليه من نعيم لهو منحة من الله يحسد عليها.
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [القصص:80] العقلاء الذين يخافون لقاء الله ويتذكرون القبر وما بعده وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ [القصص:80] قالوا: خافوا من الله؛ ثواب الله في الجنة أحسن من هذه الدنيا، والله الذي لا إله إلا هو إن كلمة: (سبحان الله) خيرٌ مما طلعت عليه الشمس وغربت.
كلكم يعلم قصة سليمان بن دواد عليه الصلاة والسلام في القرآن، الذي ملك الجن والإنس والطيور والزواحف وكل ما هبَّ ودبَّ، حتى الريح التي تمر علينا صباح مساء كانت تتحرك بأمره، إذا أراد أن يرتحل من بلد يأمر الريح غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ [سبأ:12] يقول: يا ريح! احمليني إلى الهند
، فتأتي الريح فتكون كالبساط، ثم يركب هو ووزراؤه وحاشيته فتنقله في لحظات، حتى إذا أتى لينزل في الأرض كيف تنزل به؟