فهرس الكتاب

الصفحة 9523 من 9994

يقول الله عز وجل: رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص:36] يعني: ما تنزل بقوة، إنما تنزل تدريجياً حتى يهبط في الأرض، فارتفعت به الريح مرة من المرات ومعه من جنوده وقوته ما لا يعلمه إلا الله، ولما أصبح في السماء مر تجاه الشمس فحجب ضوء الشمس عن فلاح يشتغل في الأرض بالمسحاة، فنظر الفلاح إلى السحاب فرأى سليمان عليه السلام والريح تمر به، قال الفلاح: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، فسمعها سليمان عليه السلام فقال للريح: اهبطي بي هنا، فهبطت بجانب الفلاح قال: ماذا قلت يا فلان؟

قال: ما قلت إلا خيراً (خاف من سليمان) .

قال: ماذا قلت؟

قال: والله ما قلت إلا سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً.

قال: والذي نفسي بيده، لقولك سبحان الله في ميزانك خير مما أوتي آل داود.

الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس } .

رأيناهم والله أغنياء يملكونها بالملايين، لا يتعاملون إلا بالشيكات والمصارف العالمية، وإن بعضهم توفي في مدينة نائية عن تجارته ومدينته، حتى طلب له كفن من التجار بالشحاذة ودس في التراب، أين الذهب؟!

أين الفضة؟!

أين الجاه؟!

لا جاه إلا لمن أسعده الله.

يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران

أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً بالله هل لخراب الدهر عمران

وفي هذه الأيام لو تدخل مجلس أحدنا لوجدته مزركشاً ومزخرفاً كأنه إيوان كسرى وقيصر؛ فيه الكنبات والروائح والملبوسات والمفروشات والمطعومات والمركوبات، العطور.. شيء عجيب يذهل.

ماذا أعددنا للقبر؟

ماذا أعددنا لتلك الحفرة الضيقة؟

يدس فيه الإنسان لا ولد، ولا أهل، ولا زوجة، ولا أنيس، ولا حبيب إلا من أسعده الله.

والموت فاذكره وما وراءه فمنه ما لأحد براءة

وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه

والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران

إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده

وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ

لكن لا نفقه ولا نعي ولا نفهم، الله يقول لنا: افهموا، اسمعوا، تدبروا، اعقلوا؛ لكن القلوب قد ران عليها الخطأ، أظلمت وقست من السيئات.

كيف يعي قلب من يستمع الغناء صباح مساء؟! الأغنيات الماجنات من المغنين والمغنيات، الأحياء منهم والأموات، يصبح على الأغنية ويمسي على الأغنية، يركب السيارة ويسمع أغنية، ويدخل المجلس مع أغنية، أبعثنا للناس هكذا؟!

أكانت حياة الصحابة كحياتنا؟!

أجعلنا الله نعيش على هوامش الأحداث؛ أكل وشرب ونوم وغناء ورقص ولعب ولهو؟!

أين حياتنا؟!

أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَ [الأنعام:122] .

كان مصير قارون أن قال الله فيه: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ [القصص:81] هذا هو الردى وهذه هي اللعنة والخسران وسوء الخاتمة فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ [القصص:81] من الذي ينصر إلا الله، وإذا لم ينصر الله العبد لا ينصره أحد، والله لو كانت الدنيا وسكان الدنيا معك في أسرة لك فلا تعتز بأسرتك من دون الله، العزيز من أعزه الله بالطاعة، والذليل من أذله الله بالمعصية فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ [القصص:81] يقول الله عزَّ وجلَّ: هل له أسرة؟

هل كان معه قبيلة قامت تقاتل عنه بالسيوف؟

لا. قوة الله لا تغلب، والله عزَّ وجلَّ يقول: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر:51] من الذي ينصر الرسل والمؤمنين؟

إنه الله، أما غير المؤمنين فلن ينصر الله يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:52] .

فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [القصص:81-82] يقول: أصبح الذين تمنوا الدنيا لما رأوا داره تخفوا في الأرض، أتدرون ما فعل؟

أتى في مصطبة من ذهب أي: دكان مرتفع مصبوب ذهباً، فجلس عليه بحلة في الصباح ومرَّ النبي موسى بن عمران عليه السلام، الداعية الكبير الذي دخل على فرعون، داعية لا إله إلا الله، الذي قاد الجيوش الجرارة لخدمة لا إله إلا الله؛ مرَّ على قارون وقال: يا قارون ! اتق الله وقل لا إله إلا الله، فتكلم قارون بكلام بذيء في عرض موسى عليه السلام ولذلك قال عزَّ وجلَّ قال: فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً [الأحزاب:69] .

ولذلك -الآن- الدعاة وطلبة العلم والعلماء والصلحاء وأهل الخير والعباد والزهاد ينالون نصيباً من هذا الاستهزاء والاستهتار والتعليق المرير، لكن قدوتهم في ذلك الأنبياء؛ فعليهم بالصبر.

يقول لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ [لقمان:17] ماذا يقول بعدها: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان:17] فإنك إذا أمرت ونهيت سوف تنالك الألسنة، وسوف تعترضك القلوب التي ما عرفت لا إله إلا الله.

موسى عليه السلام لقي الله عزَّ وجلَّ فكلمه كفاحاً بلا ترجمان: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164] فلما كلمه قال: يا موسى! أتريد شيئاً؟

قال: نعم يا رب.

قال: ماذا تريد؟

قال: يا رب! كف ألسنة الناس لا يتكلمون في عرضي، يقول: يا رب! امنعني من ألسنة الناس لا ينالونني ولا يتكلمون فيّ ولا يغتابونني.

فقال الله: يا موسى! ما اتخذت ذلك لنفسي، إني أرزقهم وأعافيهم وإنهم يسبونني ويشتمونني.

عندما خوطب قارون من قبل أهل العلم فقالوا له: اتق الله يا قارون فتكلم على الله، فقال موسى: اللهم خذه أخذ عزيز مقتدر، فنزل بيته في الأرض، فأراد أن يهرب فنزل البيت جميعاً، وكانت كنوزه تنزل معه، كانت قلعته كلها ذهب وفضة وكلها تنزل معه في الأرض، أراد أن يفر فما استطاع، لأنه محبوس في الأرض، فينزل رويداً ينادي: يا موسى يا موسى! أطلقني أطلقني فنزل وموسى ينظر إليه، فيقول الله تعالى في آخر القصة: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83] .

الحياة معناها يا عباد الله! أن تعيش لله، وتموت لله، وتبعث لله، حياة ليس فيها صلاة ولا عبادة ولا اتصال بالله ليست بحياة، والعجيب من بعض الناس أنه راض عن نفسه، يرى أنه إذا كان له بيت وسيع وأبناء، ويأكل ويشرب، وعنده سيارات، وقد ارتاح إلى هذه الحالة أن الله راضٍ عنه، بالله هل سأل نفسه عن معاملته مع الله؟! هل سأل نفسه هل يداوم على الصلوات الخمس في المسجد؟!

هل علم كيف قلبه مع المسلمين؟!

وقفات مع عمر بن الخطاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت