فهرس الكتاب

الصفحة 9524 من 9994

الله سبحانه وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم لهداية الإنسان، فأتى عليه الصلاة والسلام والناس في جاهلية جهلاء، في حين لا تزال بعض أماكننا وبعض مناطقنا اليوم تعيش بعض الصور من تلك الجاهلية التي عاشها الناس قبله صلى الله عليه وسلم، أو عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هداية الناس، فلما أتى صلى الله عليه وسلم قال: {يا أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا } وعاد الناس، واستجاب من أراد الله أن يستجيب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] .

وممن استجاب لله: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكلكم يعرف عمر الفاروق خليفة الإسلام، كان قبل الإسلام ليس له إرادة، ولا تفكير، ولا طموح، كان يعيش هكذا، مثل حال كثير من الناس؛ يأكل ويشرب وينام، لا يغضب إذا انتهكت حدود الله، ولا يحزن إذا فاتته صلاة، ولا يتألم إذا سمع شباب الإسلام غرقوا في المعاصي، إنما همه أن يبقى عليه رزقه ومرتبه ووظيفته، فأتى عمر فوضع يده في كف المصطفى صلى الله عليه وسلم وأسلم، لما سمع قوله سبحانه وتعالى: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:1-2] ومن يوم أسلم بدأ قلبه حياً مع الله؛ لأن الله يحيي القلوب بعد إماتتها، واستمر في الإسلام، وبعد عشرين سنة أو أكثر تولى خلافة المسلمين، فأصبح خليفة ذهب الدنيا وفضتها تحت يديه، وأصبح هو المسئول الأول، فماذا فعل؟

زهد عمر

كان من أبسط الناس وأزهدهم وأفقرهم، ما كان يشبع من خبز الشعير، يوم الجمعة يصعد المنبر وعليه إزار فيه أربع عشرة رقعة، وبإمكانه لو أراد أن يلبس الذهب والديباج والحرير للبس، فرقي المنبر يوم الجمعة في عام الرمادة؛ عام الجوع والقحط.

عام الثامن عشر من الهجرة مرَّ قحط على المسلمين حتى رأوا الدخان يفوح من على الأرض، وحتى أكلوا الميتة، وحتى ما أصبح هناك نبتة خضراء، أكلوا أوراق الشجر حتى تشرمت أشداقهم، فصعد على المنبر وهو يبكي يوم الجمعة، وقال: [[يا رب! لا تعذب أمة محمد بسبب ذنوبي ] ] ذنوب عمر الزاهد، المجاهد، قائم الليل، صائم النهار، ونحن الآن إذا قلنا: نحن مذنبين قالوا: لا. الحمد لله نحن من أحسن الناس، وما أذنبنا، والله إننا لنصلي ومستقيمين على طاعته ولا نريد شيئاً، ويا ليت الناس مثلنا.

عمر يقول على المنبر وهو يبكي: [[اللهم لا تعذب أمة محمد بسبب ذنوبي، يا رب أتهلك أمة محمد بعهدي؟ ] ] ثم يبكي ويبكي الناس ويقول مخاطباً بطنه: [[قرقر أو لا تقرقر والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين ] ].

أعلى الصفحة

عمر يتفقد الرعية

ينزل رضي الله عنه وأرضاه في ليلة من الليالي يطوف بعصاه بعد صلاة العشاء، يتفقد المريض والمسكين، والأرملة والجائع، كيف ينام وهناك أنفس لا تنام ولا ترتاح، فسمع بكاءً في بيت، فاقترب من البيت ووضع رأسه على صائر الباب، فسمع امرأة في الطلق -في النفاس- فأخذ يبكي -ذكر ذلك ابن كثير في البداية والنهاية - فقال مولاه أسلم: مالك يا أمير المؤمنين تبكي؟ فقال عمر: [[إنك لا تعلم يا أسلم بالألم التي تجده هذه المرأة، انطلق بنا يا أسلم إني أخاف أن يسألني الله عن هذه المرأة إن قصرت في حقها، فانطلق إلى بيت المال، وحمل جراباً من شحم ودقيق، وهو خليفة، ودخل البيت واستأذن من المرأة، وصنع لها طعاماً بيده الكريمة -هذه تربية لا إله إلا الله، تربية محمد صلى الله عليه وسلم، الذين غرس في قلوبهم لا إله إلا الله، أهل الجنة قصورهم في الجنة كالربابة البيضاء أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90] - فدخل عليها وصنع لها الطعام وقدم لها لتأكل فقالت: والله الذي لا إله إلا هو إنك خير من عمر بن الخطاب ، وهو عمر بن الخطاب ، ثم خرج فأخذ يبكي فيقول له مولاه: ما لك؟ قال: إني أخاف من الله أن يعذبني بسبب هذه الأمة ]].

أعلى الصفحة

عمر يسأل الله الشهادة فينالها

عمر رضي الله عنه وأرضاه، لما علم الله أنه صادق، وأنه يريد الله والدار الآخرة فاستجاب له دعاءه في آخر حجة حجها، لما وقف عند الجمرات الثلاث ورفع يديه، وقال: [[اللهم إنه انتشرت رعيتي، ورق عظمي، فاقبضني إليك غير مفرط ولا مفتون، اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتة في بلد رسولك، قال له الصحابة: يا أمير المؤمنين! تريد الموت في سبيل الله في بلد رسول الله؟ -يعني: إن من يريد الشهادة يخرج إلى الثغور- قال: هكذا سألت الله، وأسأل الله أن يلبي لي ما سألت ] ].

فخرج وعاد إلى المدينة

، وفي أول ليلة نامها رأى رؤيا في المنام، رأى أن ديكاً ينقره ثلاث نقرات، فسأل بعض الصحابة ما تأويل الرؤيا، قالت له أسماء بنت عميس إحدى الصحابيات المؤمنات، وكانت تفسر الأحلام وتعبر الرؤيا: يا أمير المؤمنين! أستودعك الله في نفسك الذي لا تضيع ودائعه.

كان يصلي بالناس إماماً فلما بلغ قوله سبحانه وتعالى: وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف:84] انهد باكياً وبكى الناس معه، ولما ركع تقدم له أبو لؤلؤة المجوسي .

مولى المغيرة لا جادتك غادية من رحمة الله ما جادت غواديها

تقدم بخنجر ذو حدين مسموم، سمه شهراً حتى أصبح الخنجر أزرق من كثرة السم، ثم ضرب عمر أمير المؤمنين، حصن الإسلام، العادل الكبير، الزاهد النحرير، الذي ما عرف إلا قيام الليل والوقوف مع المسكين والفقير والأرملة، ضربه ثلاث طعنات ليهدم ركن الإسلام، فسقط عمر رضي الله عنه وأرضاه، ووقع على وجهه على الأرض وهو يقول: [[حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ] ] ثم التفت وقدم أحد المسلمين، فلما صلوا وقد أغمي عليه وأغشي من كثرة الدم قال: من قتلني؟ قالوا: أبو لؤلؤة قال: [[الحمد لله الذي جعل شهادتي على يد رجل ما سجد لله سجدة ] ] ثم رفعوه على أكتافهم.

يقول أنس: [[ظننا أن القيامة قامت يوم أن مات عمر ] ] ويقول علي: [[والله الذي لا إله إلا هو، لقد كفنت سعادة الإسلام في أكفان عمر ] ] ووضعوه في البيت، فلما أرادوا أن يضعوا رأسه وهو مطعون، يعالج السكرات، وضعوا له مخدة -وسادة- تحت رأسه، قال: انزعوها من تحت رأسي، ضعوا رأسي على التراب علَّ الله أن يرحمني، فأخذ يمرغ وجهه في التراب ويبكي، فدخل عليه علي رضي الله عنه وأرضاه فقال: [[يا أمير المؤمنين! طوبى لك وهنيئاً لك، والله لطالما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر ، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر ، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر ، فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك ] ] فقال عمر: [[يا ليتني نجوت كفافاً، لا لي ولا عليّ ] ] يقول: يا ليتني أخرج من الحساب يوم القيامة لا حسنات ولا سيئات سبحان الله! وهم المجاهدون الصادقون الزهاد العباد فماذا فعلنا نحن؟!

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

بماذا نلقى الله يوم القيامة، ونحن -والله- قد أسأنا الأدب مع الله كل الإساءة، هل داومنا على الصلوات الخمس في المسجد؟

هل دعونا جيراننا إلى المساجد صباح مساء؟

هل والينا في الله وأبغضنا في الله؟

هل أخذنا على يد الفاجر السفيه الذي يريد أن يردينا في النار؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت