فهرس الكتاب

الصفحة 9525 من 9994

ثم إننا نرى الباطل ونؤيد عليه إلا من رحم الله، وأنا أتكلم بهذا لأننا قبائل نعرف المآسي التي يعيشها كثير من القبائل، يرون الباطل ولا يقومون في وجهه، ويرون حدود الله ومحارمه تنتهك ولا يغضبون، ثم ندعو الله أن ينزل علينا القطر، ونقول: نحن نحب الله، ما هي أعمالنا؟

السفيه يؤيد، والفاجر يسدد؛ لا يجد صاحب الحق من يعضده ويقوم معه.

يقول سبحانه وتعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79] إي والله لبئس ما كانوا يفعلون، يرون الفاجر ويسكتون، والمعصية ولا يتكلمون، ولا تتمعر وجوههم، أحدهم لو أُخذ شيء من ماله، أو تكُلِّم على ولده، أو على عرضه، أو سب قامت الدنيا وقعدت، وأخذ السلاح وقاتل، لكن أن تنتهك حدود الله فلا يغضب أحد، المساجد تهجر، الأغاني الماجنة تنتشر، الحجاب يترك، والسفور يوضع ويوقع، والمرأة لا تتقي الله عز وجل في البيوت إلا من رحم الله.

سبحان الله! الربا يتعامل به، الرشوة موجودة، ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الغيبة في المجالس، الاستهزاء والاستهتار بالصالحين، ونقول: الله يرحمنا، ونحن على خير إذا اتقينا الله عز وجل.

الله سبحانه وتعالى أرسل جبريل عليه السلام قال: إن أهل تلك القرية عصوني، وتمردوا على حدودي، وأكلوا نعمي، واجترءوا على حرماتي فخذهم، وجبريل له ستمائة جناح، الجناح الواحد يكفي لنقل قرى الجنوب كلها نقلة واحدة، قرى قوم لوط -الأربع كان عددهم ستمائة ألف كما يقول المؤرخون- أرسل الله إليهم جبريل قال: خذهم، فقد عمت فيهم الفاحشة، كانوا يفعلون كل منكر في ناديهم، وعندهم الفجور واللواط والزنا والفحش، والمحارشة والمحاسدة الأيمان والغموس، والتبجح وظلم الناس، والفجور والكذب، فلا تجد أحداً يقول: اتقوا الله، فغضب الله، والله يمهل لكنه إذا غضبت فإنه لا يفلت أحداً كما قيل: إن الله يقول في الحديث القدسي: {إني إذا رضيت باركت وليس لبركتي نهاية، وإذا غضب لعنت وإن لعنتي تبلغ السابع من الولد } نعوذ بالله من لعنة الله، ونعوذ بالله من غضب الله، ونعوذ بالله من قلوب لا تتقي الله، فأرسل جبريل وقال: خذهم -وعند جبريل كما في الصحيح ستمائة جناح- فما استعمل إلا جناحاً واحداً، اقتلع القرى من جذورها بجبالها وأوديتها وأشجارها وأنهارها حتى رفعهم إلى قرب السماء الدنيا، فسمعت ملائكة السماء -كما في الحديث- نباح كلابهم وصياح ديكتهم، ثم لطمهم بالأرض، وما كفى، بل أرسل الله عليهم حجارة من طين كما قال سبحانه: مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ [الذاريات:34] كل حجر عليه اسم مجرم تأتي وتقع في رأسه وتخرج من دبره.

الله عز وجل غضب على قرية من القرى ما أمرت بالمعروف ولا تناصحت فقال لجبريل: خذهم، فنزل جبريل عليه السلام فمر فوجد مصلياً صائماً يصلي في صومعته، فعاد إلى الله قال: يا رب! هناك عبد يصلي ويذكرك ويسبحك ويدعوك، قال: يا جبريل! به فابدأ قال: يا رب! ولم؟ قال: إنه يرى المنكر ولم يتمعر وجهه غضباً لي.

الله عز وجل يغضب من العبد لأنه لا يغضب لمحارمه، نغضب لمحارمنا ولا نغضب لمحارم الله! نغضب لأنفسنا ولا نغضب لله! أي قلوب هذه التي نملكها! فلما فعل بنو إسرائيل ذلك عمهم الله بالعذاب، وقست قلوبهم فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13] .

اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة

فرعون لم يعرف الله في الرخاء

فرعون الطاغية الخبيث عليه لعنة الله، وقف يقول لأهل مصر كما قال الله: وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51] فجعل الله الأنهار تجري من فوق رأسه، أغرقه الله في البحر، فلما أدركه الغرق قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ [يونس:90] ما شاء الله! الآن آمنت وأسلمت، لقد ملأت الدنيا أعمالاً سيئة، ولطخت يديك بالدماء وضحكت على التاريخ، ودستَ القيم، والآن لما أصبحت في هذا المكان الضيق قلت: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ [يونس:90] مثلما يفعل كثير من الناس، تجده وقت الرخاء يتبجح على الله، ويتعدى حدوده، وينتهك حرماته، وكثيراً ما تجد بعض الشباب لا يلقي بالاً للمسجد ولا للقرآن ولا للدعوة ولا للذكر ولا يخاف الله، كلما خطر له شيء ركب رأسه؛ فإذا كسر ظهره وأصبح على السرير الأبيض في المستشفى عاد إلى الله، أين أنت وقت الرخاء. أفي وقت الشدة تعود؟! فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65] .

يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه

كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه

ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه

ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله

فلما بلغ فرعون هذا الموضع قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] وهذا كذاب، ولو كان صادقاً لآمن وقت الرخاء، قال سبحانه وتعالى: آلْآنَ [يونس:91] ما عرفت الله إلا اليوم آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:91-92] ولذلك رماه البحر، فأخرج جثته، وما زالت جثته إلى اليوم في أحد المتاحف هناك، فلا تأكله الأرض، ليكون عبرة لكل من ينظر، لكن الذي يحفظ الله في الرخاء يحفظه الله في الشدة، إذا ضاقت عليك الضوائق وأتت عليك المصائب وكنت في الرخاء تذكر الله وتقوم بحدود الله؛ ينجيك الله ويجعل لك مخرجاً.

فامسك يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان

أعلى الصفحة

يونس عليه السلام عرف الله في الرخاء

يونس عليه السلام أحد الأنبياء كان يحفظ الله في الرخاء، كان مصلياً، صائماً للنهار، قائماً لليل، ذاكراً لله، غضب على قومه فخرج منهم وما استأذن الله، والواجب أن يستأذن ربه، لكن قومه عاندوه، يقول لهم: هذا الطريق المستقيم، فيقولون له: لا.

فلما ركب السفينة في البحر، أخذت الريح تلعب بالسفينة، فقال ربان السفينة: معنا رجل مذنب ولا يمكن أن تهدأ الريح حتى تنزلوا هذا الرجل من السفينة -حتى قواد السفن والطائرات يعرفون أنه لا يأتي الخلل إلا من ذنوب وخطايا، فقالوا: استهموا -قرعة- فوقعت القرعة في يونس عليه السلام، فأقرعوا ثانية فوقعت فيه، فأقرعوا ثالثة فوقعت فيه، فأخذوه بيديه وبأرجله وأوقعوه في البحر في الليل.

سبحان الله! لا قريب ولا أهل ولا زوجة ولا ولد، رموه هكذا في وسط البحر وسط الليل المظلم، وليته بقي على خشبة أو بقي يسبح لكن ابتلعه الحوت، ما وقع في البحر إلا والحوت فاغر فاه فأطبق عليه، فأصبح في ظلمات ثلاث؛ ظلمة الليل وظلمة اليم وظلمة بطن الحوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت