فهرس الكتاب

الصفحة 9554 من 9994

وحدثتني بعض الأخوات فتبين لي العجب من الضياع والحرمان الذي تعيشه بعض بنات المسلمين وللأسف تقول إحداهن وقد كانت غافلة عابدة بالهاتف: أنا أعيش في محنة كبيرة شديدة لا يعلمها إلا الله فأنام وأصحو وأنا أبكي وقلبي يكاد يتقطع أحس أن الدنيا ضيقة أبكي في كل وقت وأخاف أن يكون هذا الإحساس بضيق الدنيا قنوطاً أو يأساً من رحمة الله وأنا لا أريد ذلك ـ تقول ـ فأنا أريد أن أحقق صدق توبتي بالصبر والثقة بالله والتوكل عليه والاستعانة به والثقة بأنه سينجيني من تلك المعصية ويغفر لي ويعوضني خيراً ، وحتى لحظة كتابتي هذه الكلمات أبكي من شدة ما أجد من ألم وتعب وضيق لأن كل شيء يذكرني بالماضي ولا أجد الراحة والاطمئنان إلا في الصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ، وهذه من الصعوبات التي تواجهني في هذه الفترة وأسأله تعالى أن يغفر ذنوبي فقد فرطت في جنب الله وتهاونت في المعصية.. إلى أن قالت: كنت أقول في نفسي أمعقول أن يوجد من يتوب ويرجع إلى الله بسبب محاضرة واحدة أو شريط واحد أو موقف بسيط ؟ فالحمد لله وأسأله ألا يزيغ قلبي بعد إذ هداني.

وقد هداها الله بسبب حضورها لمحاضرة لإحدى الأخوات بكلياتها إلى آخر قصتها من رسالة لطيفة بعنوان: دموع ساخنة من فتاة عائدة. فأهدي هذا الموضوع المحرومون أهديه إلى المحرومين من نعمة الإيمان الفاقدين حلاوته وأُنسه وطعمه أهديه إلى المحرومين من لذة الدمعة والبكاء خشية وخوفا من الله أهديه إلى المحرومين من لذة السجود ومناجاة علام الغيوب، إلى المحرومين من لذة قراءة القرآن وتدبر آياته وتذوق معانيه إلى المحرمين من لذة الأخوة والحب في الله ، إلى المحرمين من بركة الرزق وأكل اللقمة الحلال إلى المحرومين من بركة العمر وضياعه في الشهوات واللذات ، إلى المحرومين من انشراح الصدر وطمأنينته وسعادته إلى المحرومين من بر الوالدين والأنس بهما ، والجلوس إليهما وجماع ذلك كله أقول أهدي هذا الموضوع إلى المحرومين من الاستقامة والطاعة والالتزام إلى أولئك الذين أصابهم اليأس والشكوك واستبد بهم الأسى والشقاء واجتاحهم القلق والظلام ونزلت بهم الهموم والغموم إلى الذين حرموا زاد الإيمان ونور الإسلام إلى البائسين ولو عاشوا في الرغد والنعيم ، إلى الذين حرموا نعمة الإيمان لقد فقدتم كل شيء وإن وجدتم المال والجاه إلى الذين حرموا لذة الاطمئنان وبرد الراحة لقد فقدتم كل شيء وإن ملكتم الدنيا بأسرها إلى الذين حرموا السعادة والأنس وأضاعوا الطريق ، إلى أولئك جميعاً أقول اسألوا التائبين يوم ذاقوا طعم الإيمان يوم اعترفوا بالحقيقة والله والله ثم والله ما رأيت تائباً إلا وقالها ولا نادماً إلا وأعلنها صرخات مدوية وزفرات مذنب وآهات نادم اختصروها بكلمات قالوا نشعر بالسعادة لحظات وقت الشهوة فقط وعند الوقوع بالمعصية واللذة وبعدها قلق وحيرة وفزع واضطراب وضياع وظلام وشكوك وظنون وبكاء وشكوى عُقد وأمراض نفسية ، وصدق الله ـ عز وجل ـ يوم قال: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى) ، إذن فهو في أمان من الضلال والشقاء متى بالهداية بالاستقامة باتباع هدى الله.

والشقاء ثمرة الضلال ولو كان صاحبه غارقاً في متاع الدنيا بأسرها ، فما من متاع حرام ، إلا وله غصة تعقبه وضيق يتبعه ولذلك قال الله عز وجل ، بعد هذه الآية مباشرة (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً) ، أي في الدنيا فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره بل صدره ضيق حرج لضلاله وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة انتهى كلامه رحمه الله .

فإلى المحرومين ، لماذا أعرضتم عن ذكر الله لماذا حرمتم أنفسكم سماع المواعظ ومجالس الذكر ، تدعون فلا تأتون ، وتنصحون فلا تسمعون تغفلون أو تتغافلون بل ربما تسخرون وتهزءون ولكن اسمعوا النتيجة اسمع للنهاية المرة اسمعي للنهاية التي لابد منها قال الحق ـ عز وجل ـ (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً) هذا في الدنيا أما في الآخرة ، (ونحشره يوم القيامة أعمى قال ربي لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فننسيها وكذلك اليوم تنسى) فنسيتها أعرضت عنها أغفلتها تناسيتها إذن فالجزاء من جنس العمل وكما تدين تدان ، وكذلك اليوم تنسى ، (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم) (نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون) .

أيها المحرومون لماذا نسيتم لقاء ربكم ، لماذا هذا الإعراض العجيب ؟ إنكم حرمتم أنفسكم فحرمتم السعادة والراحة والاستقرار النفسي لماذا نسيتم وتناسيتم ما قدمت أيديكم ، لماذا أغفلتم ولماذا غفلنا عن المعاصي والذنوب ، اسمع لقول الحق ـ عز وجل ـ (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه) ونسي ما قدمت يداه، أين النفس اللوامة ؟ أين استشعار الذنب ، أين فطرة الخير ، أين القلب اللين الرقيق ، أين الدمعة الحارة ؟ اسمعوا واعوا ، (إنا أنذرناكم عذاباً قريباً يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً) ، يقسم بعض التائبين كما أسلفت أنه ما ركع لله ركعة وما سجد لله سجدة فأي حرمان بعد هذا الحرمان؟!.

عفوك اللهم عنا خير شيء نتمنى

رب إنا قد جهلنا في الذي قد كان منا

وخطينا وخطلنا ولهونا وأسأنا

... ... ... إن يكن ربي خطأنا ما أسأنا بك ظناً

فأنلنا الختم بالحسنى وإنعاماً ومَنّا

أيها المحرمون لا راحة للقلب ولا استقرار إلا في رحاب الله إلا في الهداية إلا في الاستقامة والالتزام بأوامر الله يتصور بعض المحرومين والمحرومات أن الراحة والسعادة في المال والمنصب والسفر إلى الخارج ، ذكرت جريدة الشرق الأوسط بتاريخ الحادي والعشرين من الشهر الرابع للعام الخامس عشر بعد الأربعمائة والألف نقلاً عن مذكرات زوجة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش قالت إنها حاولت الانتحار أكثر من مرة وقادت السيارة إلى الهاوية تطلب الموت وحاولت أن تختنق للتخلص من همومها وغمومها.

ويذكر التاريخ لنا أن [علي بن المأمون العباسي] ابن الخليفة كان يسكن قصراً فخماً وعنده الدنيا مبذولة ميسرة فأطل ذات يوم من شرفة القصر فرأى عاملاً يكدح طيلة النهار فإذا أضحى النهار توضأ وصلى ركعتين على شاطئ دجلة فإذا اقترب الغروب ذهب إلى أهله فدعاه يوماً من الأيام فسأله فأخبره أن له زوجة وأختين وأما يكدح لهن وأنه لا قوت له ولا دخل إلا ما يكتسبه من السوق وأنه يصوم كل يوم ويفطر مع الغروب على ما يحصل قال ابن الخليفة ، فهل تشكو من شيء ، قال العامل: لا والحمد لله رب العالمين فترك ابن الخليفة القصر وترك الإمرة وهام على وجهه ووجد ميتاً بعد سنوات عديدة وكان يعمل في الخشب جهة خراسان.

فيا سبحان الله من الإمارة إلى النجارة لأنه وجد السعادة في عمله هذا ولم يجدها في القصر.

إن من المحرومين من قال الله عنهم: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً) ، فأي حرمان بعد إضاعة الصلاة ، أقسم لي شاب أنه لم يسجد لله سجدة ، إلا مجاملة أو حياء فأقول أيها المرحوم إنه الكفر والضلال"إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر"كما روى الترمذي والنسائي وأحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي"إن بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة"كما عند مسلم في صحيحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت