فهرس الكتاب

الصفحة 9555 من 9994

مسكين أنت أيها المحروم يوم أن قطعت الصلة بينك وبين الله إنها مفتاح الكنز الذي يفيض سعادة وطمأنينة إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب المكدود إنها زاد الطريق ومدد الروح وجلاء القلوب إن ركعتين بوضوء وخشوع وخضوع كفيلتان أن تنهي كل هذا الهم والغم والكدر والإحباط.

إن من أسباب السعادة ، أو إن من أسباب سعادة المؤمنين ما أخبر الله عنه بقوله (ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً) وقوله: (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) ، من أجمل لحظات الدنيا وأسعدها يوم أن يسجد العبد لمولاه يدعوه ويناجيه يخافه ويخشاه قيام وسجود وبكاء وخشوع فيتنور القلب وينشرح الصدر وتشرق الوجوه قال عز وجل: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) ، أما المحروم فظلام في القلب وسواد في الوجه وقلق في النفس هذا في الدنيا ، وفي الآخر ة يقول الله عنهم (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون) ، حرموا من السجود في الآخرة لأنهم كانوا يدعون له في الدنيا فيتشاغلون ويتكبرون ويسخرون أي فلاح وأي رجاء و أي عيش لمن انقطعت صلته بالله ، أو قطع ما بينه وبين وليه ومولاه الذي لا غنى عنه طرفة عين فلا تعلم نفس ما في هذا الانقطاع من أنواع الآلام وأنواع العذاب ، مسكين أيها المحروم كيف تريد التوفيق والفلاح والسعادة والنجاح وأنت لا تصلي وأنت قد قطعت ما بينك وبين الله اسمع لقوله ـ عز وجل ـ (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) ، اسمع لقول الحق ـ عز وجل ـ (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) سجود المحراب واستغفار الأسحار ودموع المناجاة سيما يحتكرها المؤمنون ولئن توهم المحروم جناته في الدينار والنساء والقصر المنيف فإن جنة المؤمن في محرابه إن من المحرومين من إذا ذكر بالصلاة سخر واستهزأ وفي هؤلاء يقول الحق عز وجل (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً) ويقول (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون) أي في الدنيا (وإذا مروا بهم يتغامزون) ولكن السعيد من يضحك في النهاية ولذلك قال الله (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون) إن المتهاون في الصلاة حرم خيراً كثيراً فقد قال ـ صلى الله عليه وآله سلم ـ"من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له برهانا ولا نورا ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وهامان وفرعون وأبي من خلف"والحديث أخرجه أحمد والدارمي وقال الهيثمي في المجمع رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد ثقات وقال المنذري إسناده جيد قلت فيه رجل لم يوثقه إلا ابن حبان ، أيها المحروم حرمت نفسك أجمل لحظات الدنيا لحظات السجود وتمريغ الجبين للرب المعبود حرمت نفسك أعظم اللذات لذة المناجاة لذة التذلل والخضوع.

إنك تملك أغلى شيء في هذا الوجود تملك كنزاً من كنوز الدنيا الصلوات الخمس الثلث الأخير من الليل ساعات الاستجابة اسأل المصلين الصادقين اسألهم ماذا وجدوا اسألهم ولا تتردد فسيجيبونك بنفوس مطمئنة بنفوس راضية بنفوس ذاقت حلاوة الدنيا وأجمل ما فيها سيقولون أكثر الناس هموماً وغموماً وكداراً المتهاونون المضيعون للصلاة ولكن أبشر أيها الأخ الحبيب فإن الله عز وجل يقول: (إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً) .

المحرومون من التوبة التائب أعتق نفسه من أسر الهوى وأطلق قلبه من سجن المعصية التائب يجد للطاعة حلاوة وللعبادة راحة وللإيمان طعماً وللإقبال لذة التائب يجد في قلبه حرقة وفي وجهه أسى وفي دمعه أسرار التائب منكسر القلب غزير الدمعة رقيق المشاعر التائب صادق العبارة فهو بين خوف وأمن وقلق وسكينة

اليوم ميلاد جديد وما مضى

... ... موت بليت به بليل داج

أنا قد سريت إلى الهداية عارجاً

... يا حسن ذا الإسراء والمعراج

أيها المحروم تب إلى الله ذق طعم التوبة ، ذق حلاوة الدمعة اعتصر القلب وتألم لتسيل دمعة على الخد تطفئ نيران المعاصي والذنوب اخل بنفسك اعترف بذنبك ادع ربك وقل"اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". ابْك على خطيئتك جرب لذة المناجاة اعترف بالذل والعبودية لله تب إلى الله بصدق قل ناج ربك اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم جرب مثل هذه الكلمات جربها كما كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرددها .

أيها المحروم ."ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسولاً"كما عند مسلم في صحيحه ، اسمع لملك الملوك، اسمع لملك الملوك وهو يناديك أنت اسمع لجبار الأرض والسموات وهو يخاطبك أنت وأنت من أنت اسمع للغفور الودود للرحيم الرحمن وهو يقول (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) ويقول سبحانه في الحديث القدسي"يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم"كما عند مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ويقول الله في حديث قدسي آخر"يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة"، كما عند الترمذي من حديث أنس وهو صحيح.

إذن فيا أيها المحروم ما هو عذرك ، وأنت تسمع هذه النداءات من رب الأرض والسموات إن أسعد لحظات الدنيا يوم أن تقف خاضعاً ذليلاً خائفاً باكياً مستغفراً تائباً فكلمات التائبين صادقة ودموعهم حارة وهمومهم قوية ذاقوا حلاوة الإيمان بعد مرارة الحرمان ووجدوا برد اليقين بعد نار الحيرة وعاشوا حياة الأمن بعد مسيرة القلق والاضطراب فلماذا تحرم نفسك هذا الخير وهذه اللذة والسعادة فإن أذنبت فتب ، وإن أسأت فاستغفر وإن أخطأت فأصلح فالرحمة واسعة والباب مفتوح.

قال [ ابن القيم] في الفوائد: ويحك لا تحقر نفسك فالتائب حبيب والمنكسر صحيح إقرارك بالإفلاس عين الغنى تنكيس رأسك بالندم هو الرفعة اعترافك بالخطأ نفس الإصابة …. انتهي كلامه رحمه الله.

إذن العبودية لله عزة ورفعة ولغيره ذل مهانة . أيها الحبيب أيتها الغالية إننا نفرح بتوبتك ونسر لرجوعك إلى الله وليس لنا من الأمر شيء

عين تسر إذا رأتك وأختك

تبكي لطول تبعد وفراق

فاحفظ لواحدة دوام سرورها

... ... وعد التي أبكيتها بتلاقي

عدنا للرجوع إلى الله ، عدنا بتوبة صادقة ونحن معك بكل ما تريد ، نسر ونفرح نمدك بأموالنا وأيدينا ودعائنا وليس لنا من الأمر شيء ، إنما هو لنفسك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت