فهرس الكتاب

الصفحة 9563 من 9994

الناس بعد رمضان فريقان فائزون وخاسرون أيا ليت شعري من هذا الفائز منا فنهنئه ومن هذا الخاسر فنعزيه ورحيله مُرٌ على الجميع الفائزين والخاسرين الرحيل مر على الفائزين لأنهم فقدوا أيام ممتعة وليال جميلة نهارها صدقة وصيام وليلها قراءة وقيام نسيمها الذكر والدعاء وطيبها الدموع والبكاء شعروا بمرارة الفراق فأرسلوا العبرات والآهات كيف لا وهو شهر الرحمات وتكفير السيئات وإقالة العثرات كيف لا والدعاء فيه مسموع والضر مدفوع والخير مجموع كيف لا نبكي على رحيله ونحن لا نعلم أمن المقبولين نحن أم من المطرودين كيف لا نبكي على رحيله أيها الأحبة ونحن لا ندري أيعود ونحن في الوجود أم في اللحود ، الفائزون من خشية ربهم مشفقون نعم هم فائزون ولكنهم من خشية ربهم مشفقون يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة على رغم أنهم في نهاره صيام وقراءة قرآن وإطعام وإحسان وفي ليله سجود وركوع وبكاء وخشوع وفي الغروب والأسحار تسبيح وتهليل وذكر واستغفار ، الفائزون شمروا عن سواعد الجد فاجتهدوا واستغفروا وأنابوا ورجعوا ما تركوا بابا من أبواب الخير إلا ولجوا، ولكن مع ذلك كله قلوبهم وجلة خائفة وجلة خائفة بعد رمضان أقبلت أعمالهم أم لا أكانت خالصة لله أم لا أكانت على الوجه الذي ينبغي أم لا ، كان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم يحملون هم قبول العمل أكثر من القيام بالعمل نفسه قال [عبد العزيز ابن أبي رواد] أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح فإذا فعلوا وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا ، لا يغفلون عن رمضان فإذا فعلوا وانتهوا يقع عليهم الهم أيُقْبَلُ منهم أم لا وقال على ـ رضي الله تعالى عنه ـ كونوا لقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل ، ألم تسمعوا لقول الحق عز وجل"إنما يتقبل الله من المتقين"وقال [مالك ابن دينار] الخوف على العمل ألا يتقبل أشد من العمل وروي عن علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ أنه كان ينادي في آخر رمضان يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ومن هذا المحروم فنعزيه وعن [ابن مسعود] أنه قال: مَن هذا المقبول منا فنهينه ومَن هذا المحروم منا فنعزيه

أيها المقبول هنيئا لك أيها المردود جبر الله مصيبتك ليت شعري من فيه يقبل منا فَيُهَنَّى يا خيبة المردود من تولي عنه بغير قبول، أرغم الله أنفه بخزي شديد

فيا ليت شعري أيها الأحبة بعد هذه الأيام ، مَن منا أشغله هذا الهاجس وقد مضي نصف شهر على رحيل رمضان من منا أشغله هاجس هل قبلت أعماله أم لا ؟ هل نحن من الفائزين في رمضان أم لا ؟ من منا لسانه يلهج بالدعاء أن يقبل الله منه رمضان ؟ إننا نقرأ ونسمع أن سلفنا الصالح كانوا يدعون الله ستة أشهر ستة أشهر أن يقبل الله منهم رمضان ونحن لم يمض على رحيله سوى أيام فهل دعونا أم لا أم أننا نسينا رمضان وغفلنا عنه وكأننا أزحنا حملا ثقيلا كان كاتما على صدورنا ، نعم رحل رمضان لكن ماذا استفدنا من رمضان وأين أثاره على نفوسنا وعلى سلوكنا وعلى أقوالنا وأفعالنا هكذا حال الصالحين العاملين فهم في رمضان صيام وقيام وتقلب في أعمال البر والإحسان وبعد رمضان محاسبة للنفس وتقدير للربح والخسران وخوف من عدم قبول الأعمال لذا فألسنتهم تلهج بالدعاء والإلحاح بأن يقبل الله منهم رمضان ، أما المُفَرِّطون نعوذ بالله من حالهم فهم نوعان أناس قَصَّروا فلم يعملوا إلا القليل نعم صلى التراويح صلوا التراويح والقيام سراعا فهم لم يقوموا إلا القليل ولم يقرءوا من القرآن إلا القليل ولم يقدموا من الصدقات إلا القليل الصلوات المفروضة تشكو من تخريقها ونقرها والصيام يئن من تجريحه وتضييعه والقرآن يصرخ من هجره ونثره والصدقة ربما يتبعها مَنٌّ وأذى ، الألسن يابسة من ذكر الله غافلة عن الدعاء والاستغفار فهم في صراع مع الشهوات حتى في رمضان لكن فكرة الخير تجذبهم فتغلبهم تارة ويغلبونها تارات فهم يصلون التراويح لكن قلوبهم معلقة بالرياضة ومشاهدة المباريات ورمضان هذا العام يشهد بمثل ذلك سبحان الله حتى في رمضان حتى في العشر الأواخر أفضل الأيام سبحان الله كيف أصبحت الرياضة تعبد من دون الله لا حول ولا قوة إلا بالله هم يقرءون القرآن في النهار لكنهم يصارعون النوم بعد سهر الليالي والتعب والإرهاق من الدورات الرياضية والجلسات الفضائية أما الصلاة فصلاة الظهر عليه السلام وربما صلاة العصر بل وربما الفجر كل ذلك بسبب التعب والإرهاق كما يقولون فهؤلاء لم ينتبهوا إلا والحبيب يرحل عنهم فتجرعوا مرارة الرحيل بكاء وندما حزنوا ولكن بعد ماذا ؟ بعد فوات الأوان بعد أن انقضت أفضل الأيام أما النوع الثاني من المفرطين هم الخاسرون نعوذ بالله من الخسران فهناك من لم يقم رمضان ولم يقرأ القرآن وربما لم يصم في رمضان فنهاره ليل وليله ويل لا الأواخر عرفوها ولا ليلة القدر قدروها متي يصلح من لا يصلح في رمضان متي يصح من كان من داء الجهالة والغفلة مرضان متي من فرط في الزرع في وقت البدار لم يحصد غير الندم والخسار مساكين هؤلاء فاتهم رمضان وفاتهم خير رمضان فأصابهم الحرمان وحلت عليهم الخيبة والخسران قلوب خلت من التقوى فهي خراب بلقع لا صيام ينفع ولا قيام يشفع قلوب كالحجارة أو أشد قسوة حالها في رمضان كحال أهل الشقوة ،لا الشاب منهم ينتهي عن الصبوة ولا الشيخ ينذجر فيلحق بالصفوة ، أيها الخاسر رحل رمضان وهو يشهد عليك بالخسران فأصبح لك خصماً يوم القيامة رحل رمضان وهو يشهد عليك بهجر القرآن فيا ويل من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان فيا من فرط في عمره وأضاعه كيف ترجو الشفاعة أتعتذر برحمة الله أتقول لنا إن الله غفور رحيم نعم لكن إن رحمة الله قريب من المحسنين العاملين بالأسباب الخائفين المشفقين سُئل [ابن عباس ] عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد الجمعة والجماعات فقال ـ رضي الله تعالى عنه ـ هو في النار وفي صحيح [ابن حبان] عن [أبي هريرة] ـ رضي الله تعالى عنه ـ"أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صعد المنبر فقال آمين آمين آمين قيل يا رسول الله إنك صعدت المنبر فقلت آمين آمين آمين فقال إن جبريل أتاني فقال من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله"فأبعده الله فكم أولئك المبعدين والعياذ بالله من رحمة الله قل آمين فقلت آمين إلى آخر الحديث ، فيا أيها الخاسر نعم رحل رمضان وربما خسرت خسارة عظيمة ولكن الحمد لله فمازال الباب مفتوحا والخير مفسوحا وقبل غرغرة الروح ابك على نفسك وأكثر النوح وقل لها:

تَرَحَّلَ الشهر وا لهفاه وانصرمَ

واختص بالخوض في الجنات من خدمَ

وأصبح الغافل المسكين منكسرا

مثلي فيا ويحه يا عُظم ما حُرِم

من فاته الزرع في وقت البدار

فما تراه يحصد إلا الهم والندمَ

طوبى لمن كانت التقوى بضاعته

في شهره وبحبل الله معتصما

يا من بليت بالتفريط بصلاة الجماعة ها هو نصف شهر يمضي بعد رحيل رمضان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت