فهرس الكتاب

الصفحة 9721 من 9994

إن الذي أذل الأمة داء عضال تحدث عنه الذي لا ينطق عن الهوى ففي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود من حديث ثوبان أن النبي قال: (( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ) )قالوا: أو من قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله ؟ قال: (( كلا ، ولكنكم يومئذ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل ، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم ويقذف في قلوبكم الوهن ) )، قيل وما الوهن يا رسول الله ؟ قال: (( حب الدنيا وكراهية الموت ) ) (1)

إنه الداء العضال !! إنه الوهن الذى أذل الأمة .. إنه حب الدنيا .. إنه كراهية الموت.

إن الأمة الآن إلا من رحم ربك تعيش لشهواتها الحقيرة ونزواتها الرخيصة ولا حول ولا قوة إلا بالله !!!

قال جل وعلا: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً [النساء: 77]

أيها المسلمون:

إن الفارق بيننا وبين أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يبحثون وسط ميدان البطولة والشرف عن الشهادة في سبيل الله ، أما نحن فإننا نبحث عن الحياة وعن الخلود ورَكَنَّا إلى الوحل والطين!! إنه الوهن الذى أصاب الأمة بالذل والهوان !!

ولا كرامة ولا عزة لهذه الأمة إلا إذا تخلصت من الوهن !! إلا إذا تخلصت من حب الدنيا وكراهية الموت .. وعلمت يقينا أن الدنيا مهما طالت فهى قصيرة ، ومهما عظمت فهى حقيرة وأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر وإن العمر مهما طال لابد من دخول القبر .

وهذا التخلص من الوهن سيعيد للأمة عزها وكرامتها وقوتها .

خامساً: (( رفع راية الجهاد في سبيل الله ) )

أحبتي في الله:

يجب أن نعلم جميعا أنه لا كرامة ولا عز لهذه الأمة إلا إذا رفعت من جديد ، راية الجهاد في سبيل الله ، وإن لم ترفع الأمة راية الجهاد الآن فمتي سترفع هذه الراية ؟!!

لقد سعدنا كثيرا لما تقدم شيخ الأزهر مجموعة الشباب ورفع يديه وهو يقول: حى على الجهاد .. فما أحلاها من كلمة .

قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( إذا تبايعتم بالعينة ، ورضيتم بالزرع ، وتبعتم أذناب البقر ، وتركتم الجهاد في سبيل الله ، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا

إلى دينكم )) (1)

فلا عز ولا رفع لهذا الذل إلا إذا رفعت الأمة راية الجهاد في سبيل الله .

فإننا نعتقد اعتقاداً جازماً قول الصادق المصدوق لمعاذ بن جبل:

(( ... ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ؟ ) )قال معاذ قلت: بلى يا رسول الله ، قال رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله )) (2)

صدق الملجأ إلى الله

أيها الأخوة الكرام: لا تنسوا الدعاء .. ولا تستهينوا بالدعاء وصدق اللجوء إلى رب الأرض والسماء

بين يدى الآن عشرات الآلاف أسألكم بالله من منكم يدعوا الله في كل سجدة أن يحرر الأقصى وأن يفرج الكرب عن الأمة ؟!!

الدعاء سهام الليل .. أعظم جند .. فحارب به أعداء الله مع الأخذ بالأسباب التى ذكرت فنحن لا نجهل الأسباب ، والواقع الذي نحياه ولكن نعتقد اعتقاداً جازماً أن الأمة إن صدقت في اللجوء إلى الله وقامت في جوف الليل ولجأت إلى من بيده الأمر كله ، وإلى من بيده الكون كله لرأينا العجب العجاب .

فاصدقوا أيها المسلمون في الدعاء وقوموا في جوف الليل وتضرعوا إلى رب الأرض والسماء .

كان عمر بن الخطاب يقول: إنكم لا تنصرون بعتاد وعدد وإنما تنصرون من السماء ، فأنا لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء .

تضرعوا يا مسلمون إلى الله سبحانه فأن الله عز وجل يقول:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]

ولكن قد يتساءل البعض ويقول: منذ متى ونحن ندعوا الله ولم يستجب الله دعاءنا؟!!

والجواب: العودة إلى المنهج الذى ذكرت .. ولم لا ؟!

وقد ورد في صحيح مسلم من حديث أبى هريرة أن النبي (( ذكر الرجل أَشْعَتَ أَغْبَرَ يطيل السفر يَمُدُّ يديه إلى السماء يقول: يارب ، يارب ومَطْعَمُهُ حرام ومشربه حرام ، وملبسه حرام وغُذِّىِ بَالحرام فَأَنَّي يُستْجَاَبُ لذلك؟ ) ) (1) .

ورد في كتاب الزهد للامام أحمد رحمه الله: أن بنى إسرائيل خرجوا يجأرون إلى الله بالدعاء ، فأوحى الله إليهم فقال خرجتم تجأرون إلىّ بالدعاء حين اشتد عليكم غضبى ، ورفعتم إلى أكفاً سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام لن تزدادوا منى إلا بعداً ))

إن الدعاء له شروط ، لكى يُقبل ولكى يُستجاب ، وشروطه أن نعود للمنهج الذى ذكرت .

قالوا: يأبا إسحاق إبراهيم بن أدهم مالنا ندعوا الله فلا يستجاب لنا ؟!

قال: لأن قلوبكم قد ماتت بعَشَرةَ .

قالوا: وما هى ؟

قال: عرفتم الله فلم تؤدوا حقوقه !!

وزعمتم حب نبيه وتركتم سنته !!

وقرأتم القرآن ولم تعملوا به !!

وزعمتم أن الشيطان لكم عدو ولم تخالفوه !!

وأكلتم نَعَمَ الله ولم تؤدوا شكرها !!

وقلتم أنَ الجنة حق ولم تعملوا لها !!

وقلتم أن النار حق ولم تهربوا منها !!

وقلتم أن الموت حق ولم تستعدوا له !!

وانتبهتم فانشغلتم بعيوب الناس ، ونسيتم عيوبكم !!

ودفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم !!

إخوتاه: ماتت القلوب فكيف يستجيب علام الغيوب ، فأن الله لا يقبل الدعاء من قلب لاهٍ غافل .

فالأصل أن تحيى القلوب وأن تعود من جديد إلى علام الغيوب .

أسأل الله جل وعلا أن يحيى قلوبنا وأن يقر أعيننا بنصرة الاسلام وعز الموحدين وأقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم .

الخطبة الثانية:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله .

اللهم صلى وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين .

أما بعد: أيها الأحبة الكرام:

فلقد مر المسلمون بأزمات أحلك من هذه الأزمة وانتصروا بموعود الله وموعود رسول الله !! فلا نيأس ولا نقنط فإن الأعداء يريدون لنا اليأس من إمكانية تغيير هذا الواقع الذى نحياه الآن حتى نظل سلبيين مستسلمين لهذا الواقع المر الأليم .

لقد مر المسلمون بأزمات حالكة كما بينَّا ذلك في خطبة (الهزيمة النفسية) ومع ذلك انتصر الإسلام والمسلمون وهلك الكفار وزال المنافقون والخائفون ، وبقي الإسلام شامخاً .. وسيبقى الإسلام شامخاً وسيظل الإسلام شامخاً بإذن الله ولن تستطيع قوة على ظهر الأرض أن تطفئ نور الله جل وعلا .

لابد أن ننطلق بهذا اليقين وبهذه الثقة في نصرة رب العالمين .

الاسلام كدين ومنهج لا تستطيع قوة أن تستأصل شأفته من على ظهر الأرض لأنه الدين الخاتم وقد وعد الله بالتمكين له وبنصرته .

قال جل وعلا: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: 8 - 9]

وقال جل وعلا: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور:55]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت