فى جانب العبادة: نرى كثيرا من صور العبادة الظاهرة ، والباطنة قد صرفت لغير الله جل وعلا . ذبح لغير الله !! وسئل غير الله !! واستعان كثير من الناس بغير الله !! وفوض كثير من الناس الأمور لغير الله !! بل ووثقت القلوب ببعض قوى الأرض وببعض دول الأرض أكثر من ثقتها بخالق السموات والأرض - جل وعلا - والله سبحانه وتعالى يأمر نبيه ويقول: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163] . أما في جانب التشريع فأبكى دما بدل الدمع ، ضيعت الأمة شريعة ربها الكبير المتعال ، حرفت الأمة شرع ربها .. واستبدلت الأمة بالعبير بعراً .. وبالثريا ثرى .. وبالرحيق المختوم حريقاً محرقا مدمراً .
أبت الأمة إلا أن تناقض قول ربها .. الله جل وعلا يقول: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ فأبا كثير من أبناء الأمة إلا أن يقول: إن الحكم إلا للمجالس الشعبية ، للمجالس النيابية، وللبيوت البيضاء والسوداء والحمراء والله جل وعلا يقول: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُون َ [المائدة:50] . غيرت الأمة شريعة ربها . يقرأ المسلم الأن في قرآن ربه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن ِ [المائدة: 6] ويلتزم بهذا الأمر الإلهى ويضيع في نفس السورة قول ربه: ... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: 44] . يلتزم بقوله الله في سورة البقرة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ.... .
ويضيع في نفس السورة قول ربه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ انفصام نكد ، ضيعت الأمة - إلا من رحم ربك - شريعة ربها!!.
وفى جانب الاتباع تغنت الأمة بحبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرجت طائفة من الأمة تسخر بسنته وتهزأ بأوامره .. فاللحية عفن !! والنقاب خيمة!! والخنزير الذى حرمه القرآن كان خنْزيراً هزيلاً في أرض الجزيرة .. أما خنازير اليوم فإنها تربى تحت العناية الطبية وتحت الرعاية الصحية فما الداعى لتحريمها والخمر الذى حرمه القرآن كان قديماً ، أما خمر الآن فما الداعى لتحريمها وهى التى تسمى بالمشروبات الروحية !! وهكذا ادعت الأمة حب نبيها واتباع نبيها وسخرت من شريعته واستهزأت بسنته ولا حول ولا قوة إلا بالله .
أما جانب الأخلاق والمعاملات والسلوك فحدث ولا حرج كثر الغش وقل الصدق ، وانتشر الخداع وقُدِّمَ الفارغون ، وقدم الخائنون وأُخِّرَ المؤتمنون وقدم الكاذبون وأخر الصادقون ، وصدق في الأمة قول الصادق المصدوق كما في الحديث الذى رواه أبن ماجه في سننه وهو حديث صحيح:
(( سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ ) ) (1) . قيل وما الرويبضة يا رسول الله . قال: (( الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ ) ). غيرت الأمة أيها الأحباب والله عز وجل يقول: ... إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم ... وأنا ما أريد أن أسكب اليأس والقنوط في قلوبكم ولكننى أريد أن أشخص الداء ولو كان مراً بطعم الحنظل لنحدد الدواء الناجح لهذا الداء ، وأقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم
الخطبة الثانية:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: أيها الأحبة الكرام:
أقول أننا نستبشر بخير ولكن بشرط ؟ .. أن تعلن الأمة الآن الجهاد في سبيل الله ، وسَيُهْزَم اليهود ، لا أقول لك رجماً بالغيب ، ولا من ضغط الواقع المرير ولا من باب الأحلام الوردية الجاهلة ، ولا من باب الجهل بالواقع الذى تعيشه أمتنا ونحياه الآن بكل مآسيه ، كلا وإنما أقول ذلك من منطلق الحقائق الربانية والنبوية ، فهو كلام ربنا ، وكلام نبينا الصادق الذى لا ينطق عن الهوى .
تدبروا معى هذه الآية التى قرأتموها جميعاً ، وسمعتموها جميعاً ، لكل قل من أنتبه .. ووقف معها ليتدبرها ، ألا وهى قول الله تعالى في سورة آل عمران في حق اليهود: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ [آل عمران:111] .
هل تصدقون الله رب العالمين وقال سبحانه: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى... [الحشر:14] .
هذا كلام الخالق الذى يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير .
وقال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ... [لأعراف:167] .
وقال جل وعلا: ... جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً .
وها هم اليهود يأتون ألفافا من كل بقاع الأرض ليتحقق وعد الله في آية الإسراء الأولى: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرا ً [الاسراء:4- 7] .
تدبروا معى الآيات لنقف مع هذه البشارة العظيمة . فالحق وإن أنزوى كأنه مغلوب فإنه ظاهر ، والباطل وإن انتفش كأنه غالب فإنه زاهق وقل جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقا . بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُون َ .. تدبر معى قول رب العالمين: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً إذا جاء وقت المرة الأولى لتدمير ما شيد اليهود بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا... أى بعث الله على اليهود عباداً له ليسوموا اليهود سوء العذاب .