وأسباب الهزيمة النفسية في واقعنا عديدة عجيبة منها أسباب داخلية وأخرى خارجية اسمحوا لي أن أستهل الحديث بالأسباب الداخلية لأنه بكل أسف يقلل غالب المسلمين من شأنها مع أن الله عز وجل قال أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آل عمران 165
الهزيمة من عند أنفسنا من الداخل
أولاً: الأسباب الداخلية
السبب الأول: ضعف الإيمان عند غالب المسلمين
أيها الحبيب: هذا بلا منازع أخطر سبب من أسباب الهزيمة النفسية والإيمان ليس قولا باللسان فحسب ولكن الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالجوارح والأركان .
الإيمان يزيد وينقص ، ويقوى ويضعف ، وهذا أصل من أصول أهل السنة وقد جسد لنا الحبيب هذه الحالة تجسيدأ دقيقاٌ في حديثه الصحيح الذي رواه أبو النعيم منحديث علي رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي أنه قال: (( ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر ، بينا القمر مضيء إذ علته سحابة فاظلم ، إذ تجلت عنه فأضاء ) ) (4)
فكذلك القلب ، تعلوا القلب من آن لآخر سحبُ مظلمة من آثار المعاصي والذنوب ، فتضعف الإيمان في القلب ، فإذا زاد الإيمان وذاق الإنسان حلاوته انقشعت تلك السحب وأشرق القلب بأنوار التوحيد وقوى صاحب هذا الإيمان .
أيها الحبيب إذا أردت أن تتعرف على سر الإيمان إذا استقر وازداد في القلوب فبسرعة ارجع إلى التاريخ وعد إلى أصحاب الحبيب محمد الذين حولهم الإيمان من رعاة الإبل والبقر ، والغنم إلى سادة وقادة لجميع الأمم ... انطلقوا بهذا الإيمان إلى أعظم الإمبراطوريات على هذه الأرض وأقاموا للإسلام دولة وسط صحراء تموج بالكفر موجاً في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً !!!
الإيمان هو الذي جعل هذا البدوي الذي لا ذكر له في أرض الجزيرة يُرفع إلى عنان السماء يوم أن ترس بجسده على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وليجعل من ظهره حائط صَدً منيع لتتحطم عليه رماح وسيوف الأعداء ليحمي رسول الله وهو يقول للحبيب نحري دون نحرك يا رسول الله !!
الإيمان هو الذي جعل هذا العربي البدوي في أرض الجزيرة يقول للحبيب والله لا نقول لك ما قاله بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ، ولكن نقول لك يا رسول الله: اذهب أنت وربك فقاتلا أنا معكما مقاتلون .
إنه الإيمان .. أنه الإيمان الذي يصنع الأعاجيب ، فضعفُ الإيمان سبب خطير من أسباب الهزيمة النفسية عند غالب المسلمين في هذه الأيام أسأل الله أن يزيد إيماننا وإيمانكم إنه ولي ذلك والقادر عليه .
السبب الثاني: ترك الجهاد في سبيل الله
ترك الجهاد يساوي الذل والهوان والاستسلام وهذا وهو كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ففي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبوداود من حديث ابن عمر أنه قال: (( اذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ) ) (7)
إنه الذل... إنه الهوان بترك الجهاد .
أيها الأحباب: إن أعداء الأمة يعلمون علم اليقين أن الأمة إذا رفعت من جديد راية الجهاد في سبيل الله لأذلت الشرق والغرب ولذا هم يحرصون كل الحرص على أن تٌنحًى الأمة عن الجهاد وروح الجهاد وعلى ألا تُربَى هذه الأجيال على سِير الجهاد وسِيرْ الأبطال الفاتحين لتظل الأمة ذليلة مبعثرة كالغنم في الليلة الشاتية الممطرة . لا عز لهذه الأمة إلا إذا عادت من جديد لترفع راية الجهاد في سبيل الله العزيز الحميد ولترفع ذروة سنام هذا الدين .
السبب الثالث: عدم المعرفة عند غالب المسلمين بطبيعة الطريق
إن الطريق إلى الله ليس هيناً أيها المسلمون .. الطريق إلى الله ليس مفروشاً بالورود والزهور ، بل إن الطريق مفروش بالدماء والأشلاء ، محفوف بالعنت وبالأذى والابتلاء فيأتي كثير من الناس يردد كلمة الإيمان يحسبها سهلة هينة ، يرددها في وقت الرخاء وهو يظن أن الكلمة هينة فإذا ما تعرض على الطريق لأول محكٍ عملي من الفتن والأذى انقلب على عقبيه وتخلى عن طريق الله جل وعلا .
فهو يردد كلمة التوحيد والعقيدة فإن ربحت فهو مع الرابحين .
قال سبحانه وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ الحج 11
فلابد من معرفة طبيعة الطريق حتى لا تنزلق مع أول منعطف من المنعطفات على طريق المحن والفتن و الابتلاءات قال تعالى:
الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ العنكبوت 1 - 3
أخي الحبيب: لابد أن تعي هذه الطبيعة حتى لا تنقلب على عقبيك فمن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً
قال تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ آل عمران: 144
السبب الرابع: عدم المعرفة عند غالب المسلمين بالقدرات والإمكانيات والطاقات مع قلة الطموحات .
فهذا سبب خطير من أسباب الهزيمة النفسية دائماً نقلل من شأن الطاقات والقدرات والإمكانيات الهائلة التي مَنُ الله بها علينا ، من أرض ومناخ وأموال وثروات وعنصر بشري هائل جبار فضلاً عن إسلام رضيع العزيز الغفار للبشرية كلها ديناً ، ومع ذلك ترى من أبناء هذه الأمة من يقلل من قدر هذه القدرات والطاقات والإمكانيات .
أيها المسلمون: إن أموال المسلمين هى التي دير دفة السياسة العالمية في بنوك الشرق والغرب .
إن عقول المسلمين والعرب هى التي تخطط وتبني في بلاد الشرق والغرب اسألوا عن علماء الذرة . اسألوا عن علماء الجيولوجيا !! أسألوا عن علماء الهندسةز!! عقول إسلامية وعربية حٌجِرِ عليها في بلادها فقوبلت بقانون الروتين القاتل للإبداع فرحلت فاستٌقبلت في بلاد الشرق والغرب استقبال الأبطال الفاتحين ، ومنحوا الإمكانيات الهائلة للعمل والعطاء والإبداع فأبدعوها وهذا واقع نعيشه الآن .
لقد ممرت على جسر رهيب جداً في نيويورك على المحيط ، ولو نظرت إليه كاد عقلك أن يطيش !! ومانت المفأجأة حينما وصلنا إلى الشاطئ الآخر ووقف مرافقي فقال لي: هل تعلم إن الذي صمم هذا الذي ترى مهندس مسلم من الباكستان؟؟هذه عقولنا!!
أيها المسلمون:- إن لسلاحا واحدا كسلاح البترول استخدمه المسلمون والعرب استخداماً صحيحاً للحظات فانقلبت الموازين كلها!!
إن عندنا قدرات وطاقات وإمكانيات وثروات هائلة وكننا لا نحسن الإستخدام ونقلل دائما من شأن هذه القدرات والطاقات في الوقت الذ لا نرى فيه طموحاً على الإطلاق .. لا يمكن أبداً أن نرى شاباً يطمح الآن إلا في أن يتخرج من الجامعة ، وأن يتزوج بفتاة جميلة وأن يسكن سكناً مؤثثاً تأثيثاَ فاخراً ، وإن مَنً الله عليه بسيارة فالحمد لله وهكذا .
هل فكر في هذا الدين؟! هل فكر في أن يغير أمته ؟ أبداً لا يفكر في هذا؟! ولا يطمح لهذا؟! ويظل المسلم غالبا لا ينظر إلا تحت قدميه!!
ومن يتهيب صعود الجبال يعيش أبد الدهر بين الحفر