روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة أنه قال: (( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ) )ثم قال: (( هل تدرون مم ذاك؟!! يجمع الله الأولين والأخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعى وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس ألا ترون ما أنتم فيه، إلى ما بلغكم؟!! ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم. فيأتونه فيقولون ياآدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول: إن ربى غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهانى عن الشجرة فعصيت، نفسى، نفسى، نفسى... اذهبوا إلى غيرى. اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً، فيقولون: يانوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبداً شكوراً، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا عند ربك؟ فيقول: إن ربى غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كان لى دعوة دعوت بها على قومى، نفسى، نفسى، نفسى، اذهبوا إلى غيرى، اذهبوا إلى إبراهيم… فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبى الله، وخليله في أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك أما ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنى كنت كذبت ثلاث كذبات، فذكرها، نفسى، نفسى، نفسى، اذهبوا إلى غيرى، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى. فيقولون: أنت رسول الله، فضلك برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، أما ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنى قد قتلت نفساً لم أُومر بقتلها، نفسى، نفسى، نفسى اذهبوا إلى غيرى، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلَّمت الناس في المهد، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنباً، نفسى، نفسى، نفسى. اذهبوا إلى غيرى، اذهبوا إلى محمد، فيأتون محمداً وفى رواية: فيأتونى - فيقولون: يامحمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فانطلق، فآتى تحت العرش، فأقع ساجداً لربى، ثم يفتح الله علىّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلى، ثم يقال: يامحمد، ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تُشفّع فأرفع رأسى، فأقول: ياربى أمتي ) ) ( [2] ) .
فتعال معى أخى الحبيب نعيش مع بعض فقرات الحديث سريعاً:
لقد بلغ من الناس ما بلغ بهم من شمس تدنوا فوق الرؤوس بمقدار الميل، هم وكرب وغم مالا يطيقون ولا يتحملون.
فلما بلغ بهم الحال لهذا الحد العصيب الرهيب بلغ بهم المقال، فقال بعض الناس لبعض: ألا ترون ما نحن فيه، ألا ترون ما قد بلغنا؟ ألا تنظرون من يشفع لنا إلى ربنا ؟. فيقول بعضهم لبعض: أبوكم آدم. فيأتون آدم عليه السلام فيقول آدم عليه السلام: نفسى، نفسى، نفسى اذهبوا إلى غيرى..!! اللهم سلم سلم يا أرحم الراحمين. فيأتون نوح عليه السلام. ذلكم العملاق الذى ظل يدعو إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما، ذلكم النبى صلى الله عليه وسلم الكريم الذى دعى قومه في السر والعلن في الليل والنهار فلم يستجيبوا إلا من رحم الله.
قال تعالى: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا [نوح:5-9]
ما ترك هذا النبى صلى الله عليه وسلم الكريم العملاق سبيلاً إلا وسلكه، ألف سنة إلا خمسين عاماً لم ينم، ولم يهدأ، ولم يقر له قرار، ومع ذلك يقول نبى الله نوح: نفسى، نفسى، نفسى... اذهبوا إلى غيرى..
ولقد دعى نبى الله نوح دعوته، فلكل نبى دعوة مستجابة، كل نبى تعجل بهذه الدعوة في الدنيا إلا المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم (( لكل نبى دعوة مجابة، وكل نبى قد تعجل دعوته، وإنى اختبأت دعوتى شفاعة لأمتي يوم القيامة ) ) ( [3] ) .
نوح دعى على قومه كما سجل القرآن، فقال تعالى: وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:26-27] .
فيأتون إبراهيم عليه السلام فيقول خليل الله: إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ويذكر إبراهيم كذباته ثم يقول نفسى، نفسى، نفسى، اذهبوا إلى غيرى!!!
أتعرف ما هي كذبات إبراهيم؟!! كذباته!!.. وهل كذب إبراهيم؟!!
الجواب من صحيح البخارى من حديث أبى هريرة قال: لم يكذب إبراهيم قط إلا ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله، قوله: إِنَّى سَقِيمُُ [الصافات:89] وقوله: بَل فَعَلَهُ كَبيرهُم هَذاَ [الأنبياء:63] .
وواحدة في شأن سارة، فإنه قدم أرض جبار، ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتى يغلبنى عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختى، فإنك أختى في الإسلام، فإنى لا أعلم في الأرض مسلماً غيرى وغيرك، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار، فأتاه، فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغى لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها، فأتى بها، فقام إبراهيم إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدى ولا أضرك، ففعلت فعاد، فقُبضت أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك، ففعلت، فعاد، فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال: ادعى الله أن يطلق يدى، فلك الله أن لا أضرك ففعلت، وأطلقت يده، ودعا الذى جاء بها، فقال: إنك إنما جئتنى بشيطان، ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر، قال: فأقبلت تمشى، فلما رآها إبراهيم انصرف، فقال لها: مَهْيم، قالت: خيراً، كف الله يد الفاجر وأخدَمَ خادماً، فقال أبو هريرة: فتلك أمكم يابنى ماء السماء ( [4] ) .
هذه كذبات إبراهيم التى ذكرها ثم قال: اذهبوا إلى غيرى... اذهبوا إلى موسى...!! إنه الكليم.. إنه المصطفى صلى الله عليه وسلم بالرسالة.. إنه المجتبى بالكلام إنه المصنوع على عين الله. وَلِتصْنَعَ عَلَى عَينِى [طه:39] .
اصطفاه الله برسالته على جميع الخلق واصطفاه بالكلام على جميع الخلق ومع ذلك يقول: نفسى.. نفسى.. نفسى!! اذهبوا إلى غيرى.. اذهبوا إلى عيسى.
سبحان الله!! حتى الكليم يقول: اذهبوا إلى غيرى اذهبوا إلى عيسى!! فيأتون عيسى عليه السلام فيقول عيسى عليه السلام إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى غيرى نفسى، نفسى، نفسى، ولم يذكر عيسى عليه السلام ذنباً من الذنوب اذهبوا إلى محمد بن عبد الله .
يقول الحبيب فيأتونى فأقول: أنا لها، أنا لها.
يقول: فأقوم فأخر ساجداً لربى تحت العرش فينادي عليه الملك جل جلاله ويقول يامحمد ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع فيقول الحبيب أمتي أمتي. . يا رب أمتي.