فهرس الكتاب

الصفحة 9791 من 9994

سبحان الله !! انظر كم حب الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم لأمته !! إنه الحليم الأواه صاحب القلب الكبير صاحب القلب الرحيم الذى قال الله في حقه بِالمؤمِنينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ .

قرأ يوماً قول الله في إبراهيم: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ ابراهيم: 36 ]

وقرأ قول الله في عيسى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ المائدة: 118 ] .

فبكى فأنزل الله إليه جبريل عليه السلام وقال: باجبريل سل محمد ما الذى يبكيك؟ - وهو أعلم-، فنزل جبريل وقال: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال أمتي.. أمتي يا جبريل، فصعد جبريل إلى الملك الجليل. وقال: يبكى على أمته والله أعلم، فقال لجبريل: انزل إلى محمد وقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك فيقول: يا رب أمتي.. يا رب أمتي.. يا رب أمتي.

وفى حديث الصور الطويل الذى رواه الطبرى والطبرانى والبيهقى وأبو يعلى الموصلى وأورده السيوطى واستشهد به ابن أبي العز الحنفى، وللأمانة العلمية التى عاهدنا الله عليها فإن الحديث بطوله ضعيف، ففيه إسماعيل بن رافع وهو ضعيف كما قال أهل الجرح والتعديل وفيه محمد بن زياد وهو مجهول. وفيه ما يتفق مع سياق حديث أبى هريرة الذى ذكرته آنفاً.

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( فأخر ساجداً تحت العرش فيقال لى: ما شأنك؟ وهو أعلم ) )فيقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( يارب وعدتنى الشفاعة فشفعنى في خلقك فأقضِ بينهم، فيقول الله جل وعلا قد شفعتك… أنا آتيكم لأقضي بينكم ) ).

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم (( فأرجع لأقف مع الناس في أرض المحشر ) ). وتنتظر البشرية كلها مجىء الملك جل جلاله مجيئا يليق بكماله وجلاله، فكل ما ورد ببالك فالله بخلاف ذلك لَيسَ كَمثلهِ شَىءٌ وَهُو السَّميعُ البَصِيرُ

فصفة النزول، وصفة المجىء، وصفة الإتيان، وصفة الغضب، صفات لله جل جلاله نثبتها كما جاءت من غير تحريف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] .

قال علماؤنا: استوى كما أخبر، وعلى الوجه الذى أراد، وبالمعنى الذى قال، استواءً منزهاً عن الحلول والانتقال.

فلا العرش يحمله ولا الكرسى يسنده، بل العرش وحملته والكرسى وعظمته، الكل محمول بلطف قدرته، مقهور بجلال قبضته.

فالاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

سأل رجل إسحاق بن راهويه وقال: يا إسحاق كيف تؤمنون بإله يتنزل كل ليلة من عرشه إلى السماء الدنيا ؟! فقال: يا هذا إن كنت لا تؤمن به فإننا نؤمن بإله يتنزل كل ليلة من عرشه إلى السماء الدنيا، ولا يخلو منه عرشه.

من كان منا يتصور أن النمل يتكلم، وما عرف ذلك وفهمه إلا يوم أن قرأ في القرآن الكريم حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ [النمل-18] .

من كان منا يتصور أن هناك شىء لا يمشى على رجليه وإنما يمشى على بطنه حتى رأيت الحية تمشى على بطنها وما شاكلها وهكذا.

من زعم أنه يعرف كيفية ذات الله جل وعلا فهو واهم لأنه سبحانه وتعالى يقول وَلا يُحيطُونَ بِهِ عِلمًا [طه:110] .

جل جلاله.. لا ند له، ولا كفء له، ولا شبيه له، ولا نظير له، ولا مثيل له قُل هُو اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] .

والسؤال: من الذى يشفع للبشرية كلها لفصل القضاء؟!!

لم يشفع للبشرية كلها لفصل القضاء إلا المصطفى صلى الله عليه وسلم .

أيها الموحدون: والله لا يعرف قدر رسول الله إلا الله.

إن قدر رسول الله عند الله لعظيم! وإن كرامة النبى صلى الله عليه وسلم عند الله لكبيرة!

فهو المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو المجتبى فلقد اصطفى الله من البشرية الأنبياء واصطفى من الأنبياء الرسل واصطفى من الرسل أولى العزم واصطفى من أولى العزم الخمسة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد واصطفى محمد ففضله على جميع خلقه. شرح له صدره ورفع له ذكره ووضع عنه وزره وزكاه في كل شىء:

زكاه في عقله فقال سبحانه: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [ النجم: 2] .

زكاه في صدقه فقال سبحانه: وَمَا يَنطِقُ عَن الهوىَ [ النجم: 3] .

زكاه في صدره فقال سبحانه: أَلم نَشْرح لَكَ صَدْرَكَ [ الشرح: 1] .

زكاه في فؤاده فقال سبحانه: مَاكَذَبَ الفُؤادُ مَارَأىَ [ النجم: 11] .

زكاه في ذكره فقال سبحانه: وَرَفعنَا لَكَ ذكْرَكَ [ الشرح: 4] .

زكاه في طهره فقال سبحانه: وَوَضعنَا عَنكَ وزْرَكَ [ الشرح:2 ] .

زكاه في علمه فقال سبحانه: عَلَّمَهُ شَديدٌ القُوىَ [ النجم: 5 ] .

زكاه في حلمه فقال سبحانه: بِالمؤمِنينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [ التوبة:128] .

زكاه كله فقال سبحانه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلقٍ عَظِيمٍ [ القلم: 4 ] .

بأبى هو وأمى . .. هو رجل الساعة، نبى الملحمة، صاحب المقام المحمود - الذى يغبطه عليه كل نبى في أرض المحشر - الذى وعد الله به نبينا في قوله:

وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء-79] .

فهذا هو المقام المحمود كما في حديث مسلم من حديث أبى هريرة أنه قال: (( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر وأنا أول شافع وأول مشفع ) ) ( [5] ) .

وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة كذلك أنه قال: (( إن مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وُضِعَتْ هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ) ) ( [6] ) .

وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة أنه قال: (( فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم(فهو البليغ الفصيح) ونصرت بالرعب - وفى لفظ البخارى (( مسيرة شهر ) )- وأحلت لى الغنائم، وجعلت لى الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بى النبيون )) ( [7] ) .

هذه مكانة النبى صلى الله عليه وسلم محمد ، بل لقد أنزل الله قرآناً يتلى ليربى وليعلم الصحابة كيف يتأدبون ويعظمون رسول الله وكيف يوقرون رسول الله وكيف يتأدبون حتى في النداء على رسول الله .. ولكن الآن ما الذى حدث للأمة؟!!

فإن الأمة لم تعرف قدر نبيها إلا من رحم الله، ولم تعظم رسولها بل وقد أساءت الأدب مع رسول الله . فهجرت الأمة شريعته، وَنَحَّت الأمة سنته ولم تعد الأمة تجيد إلا أن تتغنى برسول الله في ليلة مولد، في ليلة هجرة، في ليلة نصف من شعبان!!

فالأمة الآن ما عادت تجيد إلا الرقص والغناء، إنها عشقت الهزل وتركت الجد والرجولة، أمة تدعى الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتتغنى برسولها في المناسبات والأعياد الوطنية في الوقت الذى نحت فيه شريعته وهجرت فيه سنته ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أحبتى في الله:

الشمس فوق الرؤوس، الزحام وحده يخنق الأنفاس، البشرية كلها في أرض المحشر من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه الساعة، في هذا الموقف الرهيب المهيب.

المصطفى واقف على حوضه، والحوض ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأطيب ريحاً من المسك عدد كيزانه بعدد نجوم السماء من شرب منه بيد الحبيب شربة لا يظمأ بعدها أبداً ( [8] ) حتى يتمتع بالنظر إلى وجه الملك في جنات النعيم.

اللهم اسقنا منه شربة هنيئةً مريئةً لا نظمأ بعدها أبدا ياأرحم الراحمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت