روى البخارى من حديث سهل بن سعد الساعدى يقول النبى صلى الله عليه وسلم: (( أنا فرطكم على الحوض يوم القيامة فمن مر علىّ شرب ومن شرب لا يظمأ أبداً، وليردن على الحوض قوم أعرفهم ويعرفوننى ثم يحال بينى وبينهم ) )وفى لفظ في الصحيح (( ثم يختلجون دونى ) )فأقول: (( إنهم من أمتي. إنهم من أمتي. فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدل بعدى ) ) ( [9] ) .
ومعنى ذلك أن اتباع نهج المصطفى صلى الله عليه وسلم هو سبيل الفوز والنجاة.
انظر إلى الموحدين الذين امتثلوا أمر النبى صلى الله عليه وسلم ، ونهيه، وتعلم كيف كانوا حتى في آخر لحظات لهم في هذه الدنيا.
فهذا معاذ بن جبل على فراش الموت نائم يدخل عليه الليل ويشتد به الألم فينظر لأصحابه ويقول هل أصبح النهار؟! فيقولون: لا لم يصبح بعد، فيبكى معاذ بن جبل ويقول: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار.
معاذ بن جبل يخشى أن يكون من أهل النار!!!
وهذا هو فاروق الأمة الأواب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذى أجرى الله الحق على لسانه وقلبه، يدخل عليه ابن عباس بعدما طُعِن ليذكره وليثنى عليه الخير كله فيقول عمر: إن المغرور من غررتموه، والله لو أن لى ملء الأرض ذهباً لافتديت به اليوم من عذاب الله قبل أن أراه. ثم قال عمر: وددت أن أخرج من الدنيا كفافاً لا لى ولا علىّ.
سبحان الله!!
وهذه هى عائشة تسئل عن قول الله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [ فاطر:32] .
فتقول عائشة: يابنى أما السابق بالخيرات فهؤلاء الذين ماتوا مع رسول الله وشهد لهم رسول الله بالجنة، وأما المقتصد فهؤلاء الذين اتبعوا أثر رسول الله حتى ماتوا على ذلك وأما الظالم لنفسه فمثلى ومثلك.
الله أكبر!! جعلت عائشة نفسها معنا. جعلت عائشة نفسها من الظالمين لأنفسهم!!!
وهذا هو سفيان الثورى إمام الدنيا في الحديث ينام على فراش الموت فيدخل عليه حماد بن سلمة فيقول: أبشر يا أبا عبد الله إنك مقبل على ما كنت ترجوه وهو أرحم الراحمين.
فبكى سفيان وقال: أسألك بالله ياحماد أتظن أن مثلى ينجوا من النار؟!!
انظر كيف كانوا؟! وماذا قالوا؟
انظر إلينا كيف أصبحنا؟! وماذا نقول؟!
شتان. . شتان، نحن جميعاً نقول من منا لا يدخل الجنة؟!! من منا لا يشفع له رسول الله ؟!!
ها هو الحديث في البخارى يبين فيه الحبيب النبى صلى الله عليه وسلم أنه سيحال بينه وبين أقوام حرَّفوا وبدَّلوا وانحرفوا عن سنته
أسأل الله العظيم أن يغفر لنا ويرحمنا إنه ولى ذلك والقادر عليه.
وأقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم
الخطبة الثانية
ثانياً: من أسعد الناس بشفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم يوم القيامة؟
هذا هو عنصرنا الأخير في هذا اليوم الكريم المبارك.
قال سبحانه وتعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31] .
ليقف كل مسلم صادق مع نفسه سائلاً: هل امتثلت أمر الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ؟ هل اجتنبت نهيه ؟! هل ارتبط اللسان بالجنان والجوارح ؟!
هل التزمت بهدى النبى صلى الله عليه وسلم في شتى الأمور بحب واتباع وإخلاص !!
من يَدَّعِ حُبَّ النبى صلى الله عليه وسلم ولم ... ... يفد من هديه فسفاهةُُ وهراءُ ...
فالحب أول شرطه وفروضه ... ... إن كان صدقاً طاعةُُ ووفاءُ ...
أخى في الله: من أسعد الناس بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم يوم القيامة؟
والجواب مباشرة من صحيح البخارى: قال أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة يا رسول الله؟ فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم (( لقد ظننت أنه لا يسألنى عن هذا السؤال أحد قبلك لما رأيت من حرصك على الحديث ياأبا هريرة. أسعد الناس بشفاعتى من قال لا إله إلا الله خالصاً مخلصاً من قلبه ) ) ( [10] ) .
وفى رواية ابن حبان (( أسعد الناس بشفاعتى من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه يصدق قلبه لسانه، ويصدق لسانه قلبه ) )
وفى صحيح مسلم أنه قال: (( لكل نبى دعوة مستجابة وإنى اختبأت دعوتى شفاعةً لأمتي، فهى نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً ) ) ( [11] ) .
إذاً حتى يشفع لك رسول الله يوم القيامة يجب توفر شرط هام جداً هذا الشرط أن تحقق التوحيد. أن تقول كلمة التوحيد خالصة من قلبك.
فمن الناس الآن من يردد هذه الكلمة بلسانه ولا يدرى ما يقول، ومن الناس من لم يخلص العبادة لله جل وعلا بل راح يصرف العبادة لغير الله.
فهو لا يعرف لكلمة التوحيد معنى ولا يقف لها على مضمون ولا يعرف لها مقتضى.
ومن الناس من يردد بلسانه: لا إله إلا الله وقد انطلق حراً طليقاً ليختار لنفسه من المناهج الأرضية والقوانين الوضعية الفاجرة ما يوافق هواه.
ومن الناس من ينطق بالكلمة ولا يتبع منهج الحبيب محمد !!
ومن الناس من يردد كلمة لا إله إلا الله وهو لم يحقق الولاء والبراء !!
ومن الناس من يردد بلسانه كلمة لا إله إلا الله وقد ترك الصلاة وضيع الزكاة وضيع الحج مع قدرته واستطاعته، وأكل الربا، وشرب الخمر، وأكل أموال اليتامى، يسمع الأمر فيهز كتفه في سخرية و كأن الأمر لا يعنيه، يسمع المواعظ فيهزأ وكأن الأمر لا يعنيه!!
فلابد من إخلاص التوحيد،كلمة التوحيد ليست مجرد كلمة يرددها الإنسان بلسانه وفقط، بل إن الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالجوارح والأركان.
ليس الإيمان بالتمنى ولا بالتحلى ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، فمن قال خيراً وعمل خيراً قُبِلَ منه. ومن قال خيراً وعمل شراً لم يُقْبَل منه.
وفى الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ) ) ( [12] ) .
وفى رواية عتبان بن مالك: (( فإن الله حَرَّمَ على النار من قال لا إله إلا الله يبتغى بها وجه الله ) ).
والله لن يسعد بشفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا من أخلص التوحيد للعزيز الحميد واتبع المصطفى صلى الله عليه وسلم وأخلص له الاتباع.
ففى الحديث الذى رواه مسلم والترمذى واللفظ للترمذى من حديث أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى في الحديث القدسى: (( يا ابن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى، يا ابن آدم لو أتيتنى بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتنى لا تشرك بى شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة ) ) ( [13] ) .
إنه التوحيد. . فأسعد الناس بشفاعة الحبيب النبى صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، فكلمة التوحيد قد قيدت بشروط ثقال عند قبولها من الملك المتعال.
فهى شجرة طيبة جذورها الحب والإخلاص وساقها اليقين والقبول وأوراقها الانقياد ومن غير الماء والضوء لاتعيش، فالعلم لها ضوء والصدق لها ماء.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحسن خاتمتنا. إنه ولى ذلك والقادر عليه.
( [1] ) رواه مسلم رقم (2742) ، في صفة الجنة.