فهرس الكتاب

الصفحة 9797 من 9994

بل وبين لنا حقيقة الدنيا التى جعلها محل اختبار لنا فقال سبحانه: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ [ الحديد: 20 ] .

وأكد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة في حديثه الصحيح الذى رواه الترمذى من حديث سهل بن سعد الساعدى قال (( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء ) ) ( [1] ) .

فالدنيا حقيرة عند الله أعطاها للمؤمن والكافر على السواء، فلو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً قط شربة ماء واحدة، لذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يوصى أحبابه بعدم الركون والطمأنينة إلى هذه الدار الفانية لا محالة، كما أوصى بذلك عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كما في صحيح البخارى: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) )، وكان ابن عمر يقول:"إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك".

ورحم الله من قال:

إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لِحَىٍّ وطناً

جعلوها لُجَّة واتخذوا صالح الأعمال فيها سُفْنا

فالفطناء العقلاء هم الذين عرفوا حقيقة الدار، فحرثوها وزرعوها... وفى الآخرة حصدوها.

فالذم الوارد في القرآن والسنة للدنيا لا يرجع إلى زمانها من ليل ونهار فلقد جعل الله الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والذم الوارد للدنيا في الكتاب والسنة لا يرجع إلى مكانها ألا وهو الأرض، إذ أن الله قد جعل الأرض لبنى آدم سكناً ومستقراً.

والذم الوارد في القرآن والسنة لا يرجع إلى ما أودعها الله عز وجل من خيرات، فهذه الخيرات نعم الله على عباده وجميع خلقه.

إنما الذم الوارد في القرآن والسنة يرجع إلى كل معصية ترتكب في حق ربنا جل وعلا.

إذاً لابد وحتما من تأصيل هذا الفهم الدقيق لا سيما لإخواننا الدعاة وطلاب العلم الذين ربما يغيب عن أذهانهم حقيقة الزهد في هذه الحياة الدنيا، فنحن لا نريد أن نُقنَّتْ أحداً من هذه الدنيا، ولا نريد أن نثبت لعامل في هذه الدنيا ولو كان في الحلال أنه قد تجاوز عن طريق الأنبياء والصالحين والأولياء... كلا..! كلا..!!

بل الدنيا مزرعة للآخرة.

تدبر معى قول على رضى الله عنه وهو يقول:"الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن أخذ منها، الدنيا مهبط وحى الأنبياء ومصلى أنبياء الله ومتجر أولياء الله".

فالدنيا مزرعة للآخرة فتدبر معى هذا الحديث الصحيح الذى رواه البخارى ومسلم من حديث أنس قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: (( ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة ) ) ( [2] ) .

إذاً لابد من هذا التأصيل والفهم العميق لحقيقة الدنيا، لننطلق من هذه الدار الفانية إلى دار تجمع بين سلامة الأبدان والأديان..دار القرار.

فلابد قبل العبور إلى دار القرار من المرور من دار الفناء، فالدنيا دار ممر والآخرة هى دار المقر، الدنيا مركب عبور لا منزل حبور، الدنيا دار فناء لا دار بقاء، لابد من وعى هذه الحقيقة التى لا مراء فيها، لنزرع هنا بذوراً، لنجنى هنالك ثماراً.

فاعلم أيها الحبيب هذه الحقائق جيداً، وكن على يقين جازم بأن الحياة في هذا الدنيا موقوتة محدودة بأجل، ثم تأتى نهايتها حتماً لابد، فيموت الصالحون.. ويموت الطالحون.. يموت المجاهدون.. ويموت القاعدون.. يموت المستعلون بالعقيدة.. ويموت المستذلون للعبيد.. يموت الشرفاء الذين يأبون الضيم ويكرهون الذل، والجبناء الحريصون على الحياة بأى ثمن.. الكل يموت.

قال الله جل وعلا: كُل مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27] .

فلابد أن تستقر هذه الحقيقة في القلب والعقل معاً، إنها الحقيقة التى تعلن بوضوح تام على مدى الزمان والمكان في أذن كل سامع وعقل كل مفكر أنه لا بقاء إلا للملك الحى الذى لا يموت، إنها الحقيقة التى تصبغ الحياة البشرية كلها بصبغة العبودية والذل لقاهر السماوات والأرض!!

إنها الحقيقة التى شرب كأسها تباعاً الأنبياء والمرسلون بل والعصاة والطائعون!!

إنها الحقيقة التى تذكرنا كل لحظة من لحظات الزمن بقول الحى الذى لا يموت: لا إِلَه إِلا هُو كُلُّ شَئٍ هَالِكُ إِلا وَجْهُه [القصص:88] .

أيها الحبيب تذكر هذه الحقيقة ولا تتغافل عنها إذ أن النبى صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نكثر من ذكرها كما في الحديث الصحيح الذى رواه الترمذى والنسائى والبيهقى والحاكم وغيرهم من حديث ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( أكثروا من ذكر هادم اللَّذات ) ) ( [3] ) .

إنها الحقيقة التى سماها الله في قرآنه بالحق فقال جل وعلا: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق:19-21] .

لا إله إلا الله. .. الله أكبر. .. الله أكبر

إن للموت لسكرات. .. هل علمت إن هذه الكلمات قالها حبيب رب الأرض والسموات وهو يحتضر على فراش الموت؟

روى البخارى عن عائشة رضى الله عنها قالت: مات رسول الله بين حاقنتى وذاقنتى وكان بين يديه ركوة (علبة) بها ماء فكان يمد يده في داخل الماء ويمسح وجهه بأبى هو وأمى ويقول: (( لا إله إلا الله إن للموت لسكرات ) ) ( [4] ) .

هكذا يقول حبيب رب الأرض والسموات إن للموت لسكرات!! حبيب الرحمن يذوق سكرة الموت، فما بالنا نحن؟!!

وفى رواية الترمذى كان الحبيب يقول: (( إن للموت لسكرات وإن للموت لغمرات ) ).

وفى رواية كان يدعوا الله ويقول: (( اللهم أعنِّى على سكرات الموت ) ).

وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ وما أدراك ما السكرات..! وما أدراك ما الكربات..! في هذه اللحظات يزداد الهم والكرب، في لحظات السكرات إذا نمت يا ابن آدم على فراش الموت ورأيت في غرفتك التى أنت فيها دون أن يرى غيرك، رأيت شيطاناً جلس عند رأسك يريد الشيطان أن يضلك عن كلمة الإخلاص"لا إله إلا الله"، يريد الشيطان أن يصدك عنها، يقول لك: مُت يهودياً فإنه خير الأديان، يقول لك: مُت نصرانياً فإنه خير الأديان.

واستدل أهل العلم على ذلك بصدر حديث صحيح رواه الإمام مسلم أن رسول الله قال: (( إن الشيطان يُحضِرُ كل شئ لابن آدم.. ) ).

بل وسُئل شيخ الإسلام ابن تيمية طَيَّبَ الله ثراه عن مسألة عَرْض الأديان على ابن آدم في فراش الموت، فقال في مجموع الفتاوى ( [5] ) :"من الناس من تعرض عليه الأديان ومنهم من لا يعرض عليه شئ قبل موته، ثم قال: ولكنها من الفتن التى أمرنا النبى صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ منها في قوله: (( اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب جهنم ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ) ) ( [6] ) ."

فمن فتن الموت أن يأتيك الشيطان ليصدك عن لا إله إلا الله، ليصدك عن كلمة التوحيد، هذه من الكربات، هذه من أشد السكرات على ابن آدم ولا حول ولا قوة إلا بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت