فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
يوم يؤتى بالمتهمين ليقفوا وراء هذا القفص الحديدي وفجأة وقد امتلأت قاعة المحكمة بأهل المتهمين وبالمحامين، يدخل القضاة ليجلسوا على منصة القضاء ويصرخ الحاجب: محكمة، فَتَصْمُت الأنفاس، وتتقطع وتكاد القلوب أن تقفز من الصدور، ويبدأ المحامون في المرافعات، والمجادلات والمعاذير وتسمع هيئة القضاء، ويردون، ويترافعون، ويتناقشون ثم يسدل الستار على هيئة القضاء ليتناقش القضاة في إبرام الحكم وفي النطق به، وفي المرة الثانية يدخل القضاة ليصدروا الحكم في هذه القضية.
أسألك بالله أنظر إلى وجوه الناس في قاعة المحكمة.
العيون تبكى.. والقلوب تكاد تقفز من الصدور.. والأنفاس متقطعة الكلام همس.. والسؤال تخافت.. الكل ينظر بأى شئ سيحكم؟!! وما الذي سينطق به القاضي؟! وهو العبد الحقير الفقير إلى الله الملك القدير.تصور هذا المشهد الذي يكاد يخلع القلب بل تكاد القلوب أن تقفز إلى الحناجر لتقف على حجم الهول والخلق جميعاً في أرض المحشر ومن بينهم الأنبياء يقفون وينظرون إلى السماء وهم ينظرون مجئ الملك العدل جل جلاله.
يقول الحق جل وعلا:
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:108-111] .
تنشق السماء وينزل أهل السماء الأولى من الملائكة بضعف من في الأرض من الإنس والجن.
قال الله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا [الفرقان:25] .
يقول ابن عباس: ينزل أهل السماء الأولى من الملائكة بضعف من في الأرض من الجن والإنس فتحيط الملائكة بالخلائق في أرض المحشر، فإذا ما نظرت الخلائق إلى الملائكة قالوا أفيكم ربنا؟! فتقول الملائكة: لا وهو آت.
قال الله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [البقرة:210] .
ويقول الحق سبحانه: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر:22-26] .
اللهم سلم سلم.. اللهم سلم سلم يا أرحم الراحمين.
يأتي الحق جل وعلا إتياناً يليق بكماله وجلاله.
لا تعطل صفة المجيء ولا تكيف صفة المجيء، ولا تشبه صفة المجيء، ولا تشبه الله بأحد من خلقه، فكل ما دار ببالك، فالله بخلاف ذلك.
جل ربنا عن الشبيه والنظير وعن المثيل، لا ند له، ولا كفء له، ولا شبيه له، ولا صاحبة له، ولا ولد له: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [سورة الإخلاص] .
قال جل جلاله: الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ اسْتَوىَ [طه: 5] .
استوى كما أخبر وعلى الوجه الذي أراد وبالمعنى الذي قال، استواءً منزهاً عن الحلول والانتقال.
فلا العرش يحمله ولا الكرسي يسنده، بل العرش وحملته والكرسي وعظمته، الكل محمول بلطف قدرته، مقهور بجلال قبضته، سبحانه وتعالى.
فالاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
قال جل جلاله: لَيسَ كَمثْلِهِ شَئٌ وَهُو السَّمِيعٌ البَصِيرٌ [الشورى:11] .
وقال جل جلاله: وِلا يُحيطُونَ بِهِ عِلمًا [طه:110] .
قال جل جلاله: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل:74] .
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ
ثم يتنزل أهل السماء الثانية من الملائكة بضعف من في الأرض من ملائكة السماء الأولى والجن والإنس فيحيط أهل السماء الثانية بأهل الأرض من الملائكة والإنس والجن.
وهكذا أهل السماء الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة على قدر ذلك من التضعيف.
ثم يتنزل حملة عرش الملك جل وعلا وهم يحملون العرش يسبحون الله سبحانه ويقولون: سبحان ذي الملك والملكوت.. سبحان ذي العزة والجبروت.. سبحان من كتب الموت على الخلائق ولا يموت. سبوح قدوس.. قدوس.. قدوس.. رب الملائكة والروح.
اسمع لربك جل وعلا وهو يقول:
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:13-18] .
ويضع الحق جل جلاله كرسيه حيث شاء من أرضه ويقول: يا معشر الجن والإنس إني قد أنصت إليكم منذ خلقتكم، أسمع قولكم، وأرى أعمالكم، فأنصتوا اليوم إليَّ، فإنما هي أعمالكم وصحفكم تُقرأ عليكم فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
ثم يقول الحق جل جلاله: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:60-65] .
أتدرون من هم أول من يكلمهم الله في هذا الموقف العصيب؟ !!
هذا هو عنصرنا الثانى من عناصر اللقاء.
ثانياً: أول من يكلمهم الله جل وعلا:
أول من يكلمه الله جل وعلا يوم القيامة في هذا الموقف العصيب هو آدم عليه السلام ينادي عليه الحق سبحانه كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: (( يقول الله تعالى: يا آدم فيقول: لبيك! وسعديك! والخير كله في يديك! فيقول الله جل وعلا! أخرج بعث النار فيقول آدم: وما بعث النار؟ فيقول الله جل وعلا: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين قال: فذاك حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بِسُكارى ولكن عذاب الله شديد ) )فاشتد ذلك على أصحاب الحبيب محمد فقالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الرجل؟ فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم رجلُُ ) )ثم قال: (( والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ربع أهل الجنة ) )فحمدنا الله وكبرنا ثم قال: (( والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة ) )فحمدنا الله وكبرنا ثم قال: (( والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالرقمة في ذراع الحمار ) ) ( [1] ) .