فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال الله سبحانه وتعالى مخاطباً أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم: كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ اللهم لك الحمد يا من خلقتنا موحدين وجعلتنا من أمة سيد النبيين.
ثم بعد ذلك ينادى رب العزة تبارك وتعالى: يا نوح.. يقول لبيك وسعديك، فيقول الله سبحانه هل بلغت قومك؟! فيقول نوح: نعم يارب والله أعلم فيقول الحق جل جلاله: يا قوم نوح هل بلغكم نوح؟! فيقولون لا ما أتانا من نذير وما آتانا من أحد، فيقول من يشهد لك يا نوح؟!! فيقول نوح: محمد وأمته!
)) فتدعون فتشهدون أنه قد بلغ أمته ثم أدعى فأشهد عليكم )) ( [2] ) وفي لفظ ابن ماجه بسند صححه شيخنا الألباني يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( فيقول الله لأمتي ما الذي أخبركم أن نوح قد بلغ قومه ) )؟! فتقول الأمة الميمونة لربها جل وعلا: جاءنا نبينا محمد فأخبرنا أن الرسل جميعاً قد بلَّغوا قومهم فصدقناه. يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( فذلك قول الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143] .
ثم يدعى عيسى عليه السلام ويقال له يا عيسى: ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة:116] .
لماذا خص الله عيسى من بين سائر الرسل بهذا السؤال؟!!
لأنه ما من رسول بعث في قومه إلا وقد آمن به من آمن من قومه، وكفر من كفر، إلا قوم عيسى فمنهم من قال: إن عيسى هو الله!! ومنهم من قال أن عيسى هو ابن الله!! ومنهم من جعل عيسى وأمه إلهين من دون الله!! فهل هناك إله يأكل؟! إله يشرب؟! إله يتزوج؟! إله يقضي حاجته؟!!
ولله در ابن القيم يقول:
أعباد المسيح لنا سؤال ... نريد جوابه ممن وَعَاه ...
إذا مات الإله بصنع قوم ... أماتوه فهل هذا إله ؟! ...
ويا عجباً لقبر ضم رباً ... وأعجب منه بطن قد حَوَاهُ ...
أقام هناك تسعاً من شهور ... لدى الظلمات من حيض غَزَاهُ ...
وشَقَّ الفَرْجَ مولوداً صغيراً ... ضعيفاً فاتحاً للثدى فاهُ ...
ويأكل ثم يشرب ثم يأتي ... بلازم ذاك فهل هذا إله ؟! ...
تعالى الله عن إفك النصارى ... سيسأل كلهم عما افتراه ...
قال تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة:116-117] .
ثم يقول عيسى عليه السلام لربه الرحمن: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118] .
فيرد الله جل وعلا على عبده المصطفى صلى الله عليه وسلم ونبيه عيسى عليه السلام يقول: قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [المائدة:119] .
ثم يدعى جميع الرسل قال تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ [ المائدة: 109 ] .
واسمع لله جل وعلا وهو يقول: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:6] .
يجمع الله سبحانه وتعالى الرسل بجلال العبودية بل وجلال العبودية في جواب الرسل على الله جل جلاله وهم يقولون: لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ .
أيها الأخيار: يسأل الرسل والملائكة بل والأنبياء بل والشهداء؟ فهل نُترك بعد هؤلاء؟!!
قال الله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر:68-70] .
ويبدأ العرض على الله جل وعلا وكيف يبدأ الحساب؟
هذا ما سوف نتعرف عليه بإيجاز بعد جلسة الاستراحة
وأقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلى وسلم وزد وبارك عليه وعلى أصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد.
ثالثاً: العرض على الله جل وعلا وأخذ الكتب:
أيها الأحبة الكرام:
بعد ذلك يبدأ الحساب وسنقف مع الحساب وقفات، فالحساب يبدأ بالعرض على الله جل جلاله بالوقوف بين يدي الحق الملك العدل سبحانه فأنت في أرض المحشر ستستمع إلى نداء الملائكة: أين فلان بن فلان؟
هذا هو اسمي.. ماذا تريدون يا ملائكة الله؟!
أقبل للعرض على الله جل وعلا!!
وقد وكلت الملائكة بأخذك، وسوقك في أرض المحشر على رؤوس الأشهاد، والخلائق كلها تنظر إليك، فيقرع النداء قلبك ويصفر وجهك وترتعد فرائصك وتضطرب جوارحك وترى نفسك بين يدي الحق جل جلاله ليكلمك ليس بينك وبينه ترجمان كما في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أنه قال: (( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه تُرجمان، فينظر أيمن منه(أي عن يمينه) فلا يرى إلا ما قدم (أي في هذه الحياة الدنيا) وينظر أشأم منه (أي عن شماله) فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة )) ( [1] ) أي ولو بنصف تمرة تتصدقون بها إلى الله جل وعلا.
يقرع النداء القلب ويأمر الله تبارك وتعالى بالصحف وبالكتب فيأخذ كل إنسان صحيفته.
تلك الصحيفة التى لا تغادر بلية كتمتها ولا مخبأة أسررتها. فكم من معصية قد كنت نسيتها.. ذكرك الله إياها. وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها.. أظهرها الله لك وأبداها.. فيا حسرة القلب ساعتها على ما فرطنا في دنيانا من طاعة موالنا.
اسمع لربك جل وعلا، وهو يقول: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:47-49] .
أيها المسلم:
مُستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا ... ... تذكر وقوفك يوم العرض عُرْيانا ...