فهرس الكتاب

الصفحة 9818 من 9994

وقال تعالى: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرض عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق:41-45] .

واستمع معي إلى قول الله عز وجل: إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرض زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأَرض أَثْقَالَهَا وَقَالَ الإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:1-8] .

تعال معي أخي في الله لنتجول سريعاً مع معانى هذه الآيات: إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرض زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأَرض أَثْقَالَهَا: أي إذا حدث زلزال الأرض العظيم الذي ليس له مثيل على الإطلاق، فلفظت الأرض ما حوته من جثث الخليقة وقالت بلسان الحال: لقد أثقلتمونى كثيراً بذنوبكم ومعاصيكم فتحملت منكم الكثير، من سفك دماء، وسلب ونهب، وطغيان، وعربدة، وسرقة، وما إلى ذلك من تلكم المعاصي؟

وَقَالَ الإِنْسَانُ مَا لَهَا: ما الذي حول أمنها إلى اضطراب؟! ما الذي حول سكونها إلى زلزلة؟! ما الذي حدث؟! فترد الأرض عليهم وتقول: إنها أوامر الله... سبحان الله الأرض تتكلم! إنها إرادة الله!!

يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا: في هذا الوقت سوف تعرف الأحداث، سوف تعرف الأخبار وذلك بأمر من الله رب السموات والأرض.

يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ: بالله عليك عش بقلبك، وكيانك معي هذا المشهد الذي يخلع القلب ويزلزل الكيان. الأرض تتشقق وتتفتح القبور متناثرة هنا وهناك في شمال وجنوب وغرب وشرق، تتشقق تلكم القبور ويخرج من كل قبر عشرة أو مائه أو ألف يخرج من هنا وهنالك يخرج هذا وذاك، شَخُصَ البصر إلى اتجاه واحد لا يلتفت يميناً ولا يساراً إلى هذا الداعى - الملك الكريم - الذي جاء بأمر رب العالمين ليقود الناس جميعاً إلى أرض جديدة عفراء لم يطأها أحد من قبل بقدميه ألا وهى أرض المحشر.

قال جل وعلا: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:108-111] .

يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ لا يلتفت أحد ولا يتخلف أحد، أيتها العظام البالية أيتها العظام النخرة، يا أكفاناً خاوية ويا قلوباً خاوية ويا عيوناً سائلة ويا أبداناً فاسدة.

أيها الناس جميعاً في القبور حان وقت القيام لفصل القضاء بين يدى الملك الغفور.

ترى كيف يخرج الناس من قبورهم؟! يخرج الناس من القبور حفاة، عراة، غُرْلا، لا نعال في أقدامهم، لا ثياب تغطى أبدانهم. لا شىء يسترهم.

غرلا: جمع أغرل والأغرل هو الصبى الصغير المولود قبل ختانه.

قال تعالى: كَمَا بَدَأنَا أَوَّلَ خَلقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104] .

يقول النبي: (( يحشر الناس حفاةً عراةً غرلاً ) )

فتعجبت عائشة أم المؤمنين قالت: يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟!! فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( يا عائشة الأمر أشد من أن يهمهم ذلك ) ) ( [6] ) .

قال جل وعلا: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:33-37] .

تصور هذا المشهد يا عبد الله لتقف على هول وفظاعة هذا اليوم.

مثل وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشا قلق الاحشاء حيرانا

النار تلهب من غيض ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا

اقرا كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفا غير ما كانا

لما قرات ولم تنكر قراءته اقرار من عرف الاشياء عرفانا

نادى الجليل: خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا

المشركون غدا في النار يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا

يا عبد الله دثر نفسك في هذا اليوم برداء طيب كريم ألا وهو رداء العمل الصالح.. دثر جسدك في هذا اليوم برداء العمل الصالح.. رداء الطيبات الصالحات الباقيات عند رب الأرض والسموات.

ذلك أن العمل الصالح هو القائد الوحيد إلى جنان العزيز الحميد.

ثانياً: الأدلة على البعث من القرآن والسنة:

ها هو أحد الجاحدين يأتي إلى النبي بعظم فيفته بين يديه ويذره في الهواء ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم في سخرية واستهزاء: يا محمد أتزعم أن ربك يبعث هذا بعد ما صار رميماً؟!! فقال له النبي: (( نعم يميتك ثم يحيك ثم يدخلك النار ) )

فنزل قول الله جل وعلا: أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرض بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس:77-83] .

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده بسند حسن من حديث بسر بن جحاش القرشي أن الحبيب النبي بصق يوماً على كفه ووضع المصطفى صلى الله عليه وسلم أصبعه عليها ثم قال: قال الله تعالى: (( يا ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت الروح التراقي قلت: أتصدق، وَأّنَّى أوان الصدقة ) ) ( [7] ) .

قال تعالى: أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة:36-40] .

بلى وعزته وجلاله إنه لقادر على أن يبعث الموتى.

وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي قال: قال الله تعالى: (( كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد ) ) ( [8] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت