فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَن يُبعَثُوا قُل بَلَى وَرَبَّى لَتُبعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَئونَّ بِمَا عَمِلتُم [التغابن:7] .
أي سيبعثهم الله وسوف يقرأون في الصحائف التى لا تغادر صغيرة ولا كبيرة ولا تظلم مثقال ذرة من أعمالهم التى اقترفوها.
فرد الكفار المعاندون المكابرون وقالوا كما جاء في كتاب الله: وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا [الإسراء:49-52] .
وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة أنه قال: (( كان رجل يسرف على نفسه فلما حضرته الوفاة جمع بنيه وقال: يا بنى إذا أنا مت فحرقوني فإذا صرت فحماً فاسحقوني فإذا كان يوم ريح عاصف فذروني - وفي لفظ فذروا نصفي في البر ونصفي في البحر - فلإن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحداً من العالمين ) ). وأخذ هذا الرجل العهود والمواثيق على أولاده أن يحرقوه وأن يسحقوه وأن ينثروه في الريح في البر والبحر فلما مات الرجل فعلوا به ذلك. يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر الله البحر فجمع ما فيه وقال: الملك جل جلاله لهذا الرجل كن، فإذا هو رجل قائم بين يديه سبحانه ثم قال: عبدي ما حملك على ذلك؟ قال: خشيتك يا رب وأنت تعلم. فغفر الله له ) ) ( [9] ) .
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي يقول: قال الله: (( يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة ) ) ( [10] ) .
ولقد ضرب الله لنا أمثلة عملية في كتابه الكريم نزفها إلى كل من يجهل حقيقة البعث وينكر هذه الحقيقة التي لا ريب فيها.
قال سبحانه: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:259-260] .
يقول أهل التفسير: مر العُزير على قرية بيت المقدس وقد دمر القرية بختنصر وأصبحت لا مظهر فيها لأسباب الحياة فوقف العزير أمام هذه القرية متأملاً متدبراً ثم قال: كيف يحي الله هذه القرية بعد موتها؟!!
كيف يبعث الله جل وعلا هؤلاء الأموات؟!! وكيف يعيد الحياة إلى هذه القرية الخاوية؟!! فأماته الله مائة سنة ثم بعثه، وخاطبه بواسطة الملك قال: ياعزير كم لبثت ؟!! فوجد العزير الشمس تميل إلى الغروب فظن أنها شمس اليوم الذي نام فيه فقال: لبثت يوماً أو بعض يوم قال: ياعزير لقد لبثت مائة سنة. قال: كيف ذلك؟!!
انظر إلى وجهي المقارنة الثابت، والمتحرك، انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه أي لم يتغير لونه أو طعمه أو رائحته.
فكر في هذا جيداً لتعلم أن الملك على كل شىء قدير.. انظر إلى حمارك فإذا به قد بلي وتحول إلى عظام رميم فأمر الله جلا وعلا أن يحيي هذا الحمار أمام عينه وبين يديه ليجعله برهاناً دامغاً للناس جميعاً على أن الله على كل شئ قدير، أمر الله تعالى الأرض أن تجمع العظام، فجاءت العظام من هنا ومن هناك بعدما صارت رميم فالتئمت واكتملت وصار كل عظم إلى جوار العظم الذي يليه فتركبت العظام وأصبح الحمار هيكلاً عظمياً فقط بين يدي العزير وعلى الفور أمر الله جل وعلا أن تكسى العظام باللحم وبالتوالي أمر أن يكسى اللحم بالشعر، وفي التو أمر الله الملك أن ينفخ الروح فنهق الحمار بإذن الله سبحانه الذي أحيى العظام وهي رميم!! هذه هي طلاقة القدرة التى انفرد بها الواحد الفرد الصمد!! فنظر العزير إلى هذه وقال: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
وإبراهيم الخليل عليه السلام قال: رب أرني كيف تحي الموتى بعد هلاكها؟!! قال: أولم تؤمن يا إبراهيم؟! قال: بلى يا رب ولكن ليطمئن قلبى قال: يا إبراهيم خذ أربعة من الطير اذبحهن وعلمهن واخلط العظم مع اللحم مع الريش؟ وخذ كوماً من لحم وعظم وريش مخلوط وممزوج وضع كل جزء من الخليط هذا على رأس جبل.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وجعل إبراهيم رؤوس الطيور في يديه ثم وقف إبراهيم عليه السلام ونادى على هذه الطيور فجاءت تسعى إلى إبراهيم ولم يأتِ طيراناً لينظر إبراهيم بعينه وليطمئن أنه هو بعينه الذي ذبحه وعلمه بيده حتى جاء كل طير إلى إبراهيم.
يقول الحافظ: فكان إبراهيم إذا قدم رأساً لطائر ليست رأسه أبى فإذا قدم الرأس لجسدها التأم الرأس في الجسد بإذن الله.
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، قدرة الله لا تحدها حدود.. قدرة الله ليس لها نهاية.. قدرة الله العقل قاصر عن إدراك حدودها.
ولقد ذكر الله مثالاً ثالثاً سنختم به هذا العنصر الهام. وذكر الله أصحاب الكهف الذين لبثوا في كهفهم موتى ثلاث مائةٍ سنين وازدادو تسعة: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ ءَايَاتِنَا عَجَبًا إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا ءَاتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف:9-12] .
الله أكبر... أماتهم الله هذه السنوات ثم بعثهم ليجعلهم آية للناس إنه جل وعلا على كل شىء قدير.
أيها الأخيار: إن من كَلَّف عقله ليصل إلى حدود قدرة الله كالذي كلف نملة أن تنقل جبلاً من موضعه إلى موضع آخر.
قل للطبـ يب تخطفته يد الردى ياشافي الأمراض من أرداك؟!
قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاك؟!
قل للصحيح مات لا من علة من يا صحيح بالمنايا دهاك؟!
بل سائل الأعمى خطى وسط الزحام بلا اصطدام من يقود خطاك؟!
بل سائل البصير كان يحذر حفرة فهوى بها من ذا الذي أهواك؟!
وسل الجنين يعيش معزولا بلا راع ولا مرعى من ذا الذي يرعاك؟!
وإذا الوليد بكى وأجهش بالبكاء لدى الولادة ما الذي أبكاك؟!
وإذا ترى الثعبان ينفث سمه من ياثعبان بالسموم حشاك؟!