لا شك أن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى حب ورعاية الأولاد، بل وإلى التضحية للأولاد بكل غالي ونفيس، فكما تمتص النبتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هى فتات، وكما يمتص الفرخ كل غذاء في البيضة فإذا هى قشرة هشة، فكذلك يمتص الأولاد كل رحيق وعافية واهتمامومع ذلك فهما سعيدان، فإذا بالوالدين في شيخوخة فانية، . ولكن من الأولاد من ينسى سريعاً هذا الحب والعطاء والحنان والرعاية، ويندفع في جحود وعصيان ونكران ليسيء إلى الوالدين بلا أدنى شفقة أو رحمة أو إحسان، وتتوارى كل كلمات اللغة على خجل واستحياء بل وبكاء وعويل حينما تكتمل فصول المأساة، ويبلغ العقوق الأسود ذروته حينما يقتل الولد أمه، وحينما يقتل الولد أباه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وإليك قصة غاية في البشاعة والإجرام والجحود.
لقد وقعت في إحدى قرى دكرنس جريمة مروعة شنعاء هى التى دفعتني إلى الحديث اليوم عن هذا الموضوع.
فى أسرة فقيرة تتكون من عشرة أبناء، يقضى الوالد المسكين ليله ونهاره ليوفر لأبنائه العيشة الطيبة الكريمة ويلحقهم بأرقى الكليات بالجامعة، ومن بين هؤلاء الأبناء ولد عاق، بدلاً من أن يساعد أباه في نفقات هذه الأسرة الكبيرة راح يلهب ظهر والده بالمصروفات ليضيعها على المخدرات والفتيات، فقال له والده المسكين: أى بني أنا لا أقدر على نفقاتك ومصروفاتك، دعنى لأواصل المسيرة مع إخوانك وأخواتك، وأنت قد وصلت إلى كلية العلوم فاعمل وشق طريقك في الحياة، ولكن الولد تمرد على التقاليد والقيم وعلى سلطان البيت والأسرة، بل وعلى سلطان الدين، راح هذا الولد العاق يفكر كيف يقتل أباه؟! إى والله حدث ما تسمعون!! إنه طالب في كلية العلوم راح يستغل دراسته استغلالاً شيطانياً خبيثاً حيث أعد مادة كيمائية بطريقة علمية معينة، وأخذ كمية كبيرة، وعاد إلى البيت، وانتظر حتى نام أبوه المسكين، فسكب المادة الكيميائية على أبيه وهو نائم، فأذابت المادة لحم أبيه وبدت العظام، الله أكبر !! لا إله إلا الله !! لا إله إلا الله !!
والله إن الحلق ليجف، وإن القلب لينخلع، وإن العقل ليشط، وإن الكلمات لتتوارى في خجل وحياء، بل وبكاء وعويل، أمام هذه المأساة المروعة الشنعاء بكل المقاييس.
قد يرد الآن عليَّ أب كريم من آبائنا أو أخ عزيز يجلس معنا ويقول إنه الفقر، قاتل الله الفقر!!
والجواب: مع تقديرى لكل آبائي وأحبائي، ما كان الفقر سبباً ليقتل الولد أباه، وإذا أردت الدليل فخذ الحادثة الثانية المروعة التى طالعتنا بها جريدة الأهرام منذ أسبوعين اثنين فقط.
أسرة ثرية وصل الوالدان فيها إلى مرتبة اجتماعية مرموقة، فالأم تحمل شهادة الدكتوراه في الهندسة جلست هذه الأم المثقفة لتناقش ابنها فلذة كبدها الذى أنهى دراسته الجامعية في أمر خطيبته التى أراد أن يتزوجها، فالأم تعارض هذا الزواج لاعتبارات وأسباب ترى أنها وجيهة من واقع خبرتها ومسؤليتها تجاه ولدها، فاحتج الولد على أمه وما كان من هذا المجرم العاق إلا أن أسرع بسكين، ثم انقض بالسكين على أمه بطعنات قاتلة حتى فارقت الحياة، ما هذا؟!
والله إن الحلق ليجف، وإن القلب لينخلع، من هول هذه الصورة البشعة من صور العقوق للآباء والأمهات الذى حذر الله جل وعلا منه في أدنى صوره، وأقل أشكاله وألوانه، فقال جل وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [ الإسراء: 23-24 ] .
أيها المسلمون: أيها الأبناء: اعلموا علم اليقين أن العقوق كبيرةٌ تلى كبيرة الشرك بالله وهذا هو عنصرنا الثانى.
ثانيا: خطر العقوق.
العقوق من أكبر الكبائر ففى الصحيحين من حديث أبى بكرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( ألا أُنَبِّئُكم بأكبر الكبائر( ثلاثاً ) )) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: (( الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ألا وشهادة الزور، أو قول الزور ) )- وكان متكئاً فجلس - فمازال يكررها حتى قلنا: ليته سكت ( [1] )
وفى الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه ) )فقال الصحابة: وهل يشتم الرجل والديه؟ فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( نعم يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه ) ) ( [2] ) .
انظر إلى هذا السؤال الإنكارى من الصحابة رضوان الله عليهم ،وهل يشتم الرجل والديه لا أن يقتل والديه؟ لا يتصور الصحابة في مجتمع الطهر مجرد أن يشتم الرجل والديه، فقال الحبيب المحبوب: أن يشتم رجل بأبيه فيرد هذا الرجل على الشاتم بأن يشتم أباه، وبهذا يكون الرجل سب أباه بطريق غير مباشر، وهذا الفعل من أكبر الكبائر والعياذ بالله.
أيها الأبناء: العقوق سبب من أسباب الحرمان من الجنة والطرد من رحمة الله التى وسعت كل شىء، ففى الحديث الذى رواه النسائى و البزار بسند جيد وحسنه الألبانى، ورواه الحاكم في المستدرك، وصححه على شرط الشيخين البخارى ومسلم من حديث عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة ) )قيل: من هم يا رسول الله ؟! قال: (( العاق لوالديه، والمرأة المترجلة( [3] ) ، والديوث ( [4] ) )) ( [5] ) .
أيها الأبناء: أيها الآباء: تدبروا قول الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: (( ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ) )خابوا وخسروا ورب الكعبة هؤلاء هم الذين طردوا من رحمة الرحمن، التى وسعت كل شىء، وأول المطرودين: العاق لوالديه.
أيها الأبناء: أخاطبكم بكل قلبى وكيانى، يا من منَّ الله عليكم الآن بنعمة الآباء والأمهات، وأنتم لا تدركون قدر هذه النعمة، ولن تشعروا بها إلا إذا فقدتم الوالدين، أسأل الله أن يبارك في أعمار أبائنا وأمهاتنا ،وأن يختم لنا ولهم بصالح الأعمال إنه على كل شىء قدير.
أيها الأبناء: العقوق لا ينفع معه أى عمل، سواء صلاة أو زكاة أو حجاً أو صياماً، ففي الحديث الذى رواه الإمام الطبرانى وابن أبى عاصم في كتاب السنة بسند حسن، وحَسَّنَ الحديث الشيخ الألبانى في السلسلة الصحيحة من حديث أبى أمامة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفاً( [6] ) ولا عدلاً: العاق لوالديه والمنان والمكذب بالقدر )) ( [7] ) .
ولكى أختم هذا العنصر لأعرج على بقية عناصر الموضوع أقول: إن العقوق دين لا بد من قضائه في الدنيا قبل الآخرة، فكما تدين تدان، فإن بذلت البر لوالديك سَخَّرَ الله أبناءك لبرك، وإن عققت والديك سَلَّط الله أبناءك لعقوقك، ستجنى ثمرة العقوق في الدنيا قبل الآخرة، ففى الحديث الذى رواه الطبرانى والبخارى في التاريخ وصححه الألباني من حديث أبي بكرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( اثنان يعجلهما الله في الدنيا: البغى وعقوق الوالدين ) ) ( [8] ) .