فهرس الكتاب

الصفحة 9823 من 9994

تدبر معى والدى الكريم وأخى الحبيب: هذا ابن عاق يعيش معه والده في بيته فكبر الوالد، و انحنى ظهره، وسال لعابه، واختلت أعصابه، فاشمأزت منه زوجة الابن، - وكم من الأبناء يرضون الزوجات على حساب طاعة الأمهات والآباء - فطرد الولد أباه من البيت، فَرَقَّ طفلٌ صغير من أبنائه لجده فقال له: لماذا تطرد جدنا من بيتنا يا أبى، فقال: حتى لا تتأففون منه، فبكى الطفل لجده وقال: حسناً يا أبتي ،وسوف نصنع بك هذا غداً إن شاء الله!! العقوق دَين لابد من قضائه.

وهذا ابن آخر يصفع والده على وجهه، فيبكى الوالد ويرتفع بكاءه، فيتألم الناس لبكاء هذا الشيخ الكبير، وينقض مجموعة من الناس على هذا الابن العاق ليضربوه، فيشير إليهم الوالد ويقول لهم: دعوه. ثم بكى وقال: والله منذ عشرين سنة، وفى نفس هذا المكان صفعت أبى على وجهه !! العقوق دَين لابد من قضائه.

وهذا ابن ثالث عاق يجر أباه من رجليه ليطرده خارج بيته، وما إن وصل الولد بأبيه وهو يجره حتى الباب ،وإذا بالوالد يبكى ويقول لولده: كفى يا بنى، كفى يا بنى إلى الباب فقط، فقال: لا بل إلى الشارع، قال: والله ما جررت أبى من رجليه إلا إلى الباب فقط !! كما تدين تدان.

أيها الأخ الحبيب اذهب اليوم إلى أبيك فقبل يديه وقدميه، وارجع اليوم إلى أمك فقبل يديها وقدميها فثم الجنة، ما أشقاها والله من حياة: حياة العقوق، وما أطيبها وأروحها وأسعدها وألذها من حياة ،آلا وهى حياة البر وهذا عنصرنا الثالث.

ثالثا: فضل البر.

أيها الحبيب الكريم. . يكفى أن تعلم أن الله جل وعلا قد قرن بر الوالدين والإحسان إليهما بتوحيده قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [ الإسراء: 23 ]

وقال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ، وقال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [ البقرة: 83 ] .

قال ابن عباس ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاثة، لا يقبل الله واحدة بدون قرينتها.

أما الأولى فهى قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم [ محمد: 33 ] .

فمن أطاع الله ولم يطع الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم فلن يقبل منه.

وأما الثانية فهى قول الله: وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ [ البقرة: 43 ] .

فمن أقام الصلاة وضيع الزكاة لن يقبل منه.

أما الثالثة فهى قول الله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [ لقمان: 14 ] . فمن شكر الله ولم يشكر لوالديه لن يقبل منه.

حياة البر ما أروعها من حياة، إنها حياة السعادة والطمأنينة، إنها حياة الأمن والأمان، يالها من لذة !! فيها ستشعر بانشراح الصدر، ستشعر بالسعادة في كل الخطا، بل سيوسع الله عليك رزقك، بل سيبارك الله لك في عمرك، في حياة بر الوالدين.

البِرُّ سبب دخول الجنة:

تدبر معى كلام النبى صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذى رواه مسلم من حديث أبى هريرة ، قال الحبيب: (( رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه ) )قيل من يا رسول الله؟ قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة ) ) ( [9] ) .

الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم يقول: رغم أنفه ثلاثاً: أى ذل وهان وتعرض للخيبة و الخذلان من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما،ثم لم يكونا سبباً في دخوله الجنة.

إياك أن تضيع هذا الخير، يا من منَّ الله عليك به الآن.

بر الوالدين من أعظم القربات إلى رب الأرض والسماوات.

اسمع كلام سيد المرسلين، ففى الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: سألت النبى صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: أى العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: (( الصلاة على وقتها ) )قال: ثم أى؟ قال: (( ثم بر الوالدين ) )قال: ثم أى؟ قال: (( الجهاد في سبيل الله ) ) ( [10] ) .

وفى الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر قال رجل للنبى:

أُجاهد؟ قال: (( لك أبوان؟ ) )قال: نعم. قال: (( ففيهما فجاهد ) ) ( [11] ) .

وفى رواية مسلم أن رجلاً جاء للنبى فقال: يا رسول الله جئت أبيايعك على الهجرة والجهاد فقال له المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( هل من والديك أحدٌ حى؟ ) )قال: نعم، بل كلاهما. قال: (( فتبتغى الأجر من الله؟ ) )قال: نعم. قال: (( فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ) ) ( [12] ) .

بر الوالدين سبب تفريج الكربات:

ففى الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( بينما ثلاثة نفر يمشون أخذهم المطر، فمالوا إلى غارٍ في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل، فأطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها لله صالحة، فادعوا الله بها لعله يفرجها: فقال أحدهم: اللهم إنه كان لى والدان شيخان كبيران، ولى صبية صغار كنت أرعى عليهم، فإذا رُحتُ عليهم فحلبت، بدأت بوالداي أسقيهما قبل ولدي ،وإنه نأى بي الشجر فما أتيت حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب فقمت عند رؤسهما، أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما، والصبية يتضاغون عند قدمى، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أنى فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء ،ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء. .... ) ) ( [13] )

إلى آخر الحديث.

انظر جيداً في معنى هذا الحديث لما تقرب الرجل إلى الله عز وجل ببر والديه استجاب الله دعاءه، فعليك ببر الوالدين بإخلاص تكن مستجاب الدعوة.

أيها الأحبة الكرام: معلوم أن بر الأم مقدم على بر الأب ففى الصحيحين من حديث أبى هريرة جاء رجل إلى رسول الله فقال: (( مَنْ أحق الناس بحسن صحابتى؟ قال: (( أمك ) )قال: ثم من؟ قال: (( أمك ) )قال: ثم من؟ قال: (( أمك ) ). قال: ثم من؟ قال: (( أبوك ) ) ( [14] ) .

بل وتدبر معى هذا الحديث الرقيق الرقراق الذى رواه البيهقي ورواه ابن ماجة وحسنه شيخنا الألبانى في السلسلة الصحيحة من حديث معاوية بن جاهمة، أن جاهمة عندما جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو - أى في سبيل الله وقد جئت أستشيرك، فقال: (( هل لك أم؟ ) )قال: نعم. قال: (( فالزمها، فإن الجنة عند رجلها ) ) ( [15] )

وقد يتحسر الآن أباؤنا وأحبابنا ممن حرموا من نعمة الوالدين لذا أسوق إليهم حديثاً ربما وجدوا فيه العزاء: وللأمانة العلمية التى عاهدنا الله عليها ففى سنده على بن عبيد الساعدى، لم يوثقه إلا ابن حبان وبقية رجال السند ثقات عن أبى أسيد مالك بن ربيعة الساعدى قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقى علىَّ من بر أبوي شىء أبرهما بعد موتهما؟ فقال: (( نعم الصلاة عليهما- أى الدعاء لهما والترحم عليهما، والاستغفار لهما- وانفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التى لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما ) ) ( [16] )

فيجب علينا أن ندعو لأبائنا ونستغفر لهما ونحج عنهما ونتضرع إلى الله بالدعاء لهما فنقول: ربى ارحمهما كما ربيانى صغيرا.

فلقد كان السلف رضوان الله عليهم إذا ماتت أم أحدهم بكى وقال: ولم لا أبكي وقد أغلق اليوم علىَّ باب من أبواب الجنة.

رابعاً: حقوق تقابلها واجبات..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت