كما أن للوالدين حقوقاً على الأبناء فإن للأبناء حقوقاً على الآباء، كم من آباء، وكم من أمهات قد ضيعوا الأبناء ؟! إن التربية منذ أول اللحظات مسئولية كاملة للوالدين بل و قبل أن يأتى الولد للحياة، فالوالد مسئول عن هذا الابن الذى لم يأتى بعد، كيف ذلك ؟! أن يحسن اختيار أمه التى يجب أن تربيه بعد ذلك على الصلاح والفضائل.
أحبتى في الله:
أسألكم بالله أن تتدبروا معى هذه الكلمات التى سأطرحها على حضراتكم، ماذا تقولون لو قلت لحضراتكم الآن: بأن أباً قد عاد اليوم إلى بيته فأخرج ورقة وكتب عليها استقالة لزوجته من تربية أبنائه ؟!! حتماً سيتهم هذا الوالد بالجنون.
أقول وماذا تقولون لو أن أمّاً قد عادت اليوم من عملها إلى بيتها فسحبت ورقة وكتبت عليها استقالة لزوجها من تربية الأبناء ؟!! حتماً ستتهم هذه المرأة بالجنون، بل وقد يفكر هذا الوالد المسكين في طلاقها.
فماذا تقولون لو قلت لحضراتكم بأن نظرة صادقة إلى الواقع الذى نحياه تقول بأن استقالة جماعية قد حدثت في بيوت المسلمين؟ نعم لقد استقال كثير من الآباء تربوياً، واستقالت كثير من الأمهات تربوياً، الوالد المسكين يظن أن دوره يتمثل في أن يكون وزيراً للمالية والنفقات، طوال النهار في التجارات والسفريات والأعمال أو على المقاهى والمنتديات فإذا ما حَلَّ الليل رجع لينام أو ليسهر أمام التلفاز، ما فَكَّر مرة أن يخلوا بأولاده يطمئن على أحوالهم.
أنا لا أقول فَرِّغ كل وقتك لولدك لأننى أعلم ظروف الحياة وأعلم الحالة الاقتصادية الطاحنة التى ترهق ظهور الآباء.
لكن أقول: والله إن جلوس الأب بين أبنائه وهو صامت لا يتكلم فيه من عمق التربية ما فيه، فما بالكم إذا تكلم فَذَكَّر بجنةٍ، وحَذَّرَ من نارٍ، وحل مشكلة، ووجه نصيحة، وأشعر أولاده أنه يشعر بهم و بأحاسيسهم، وسأل عن صديق الولد، وسأل عن صاحبة البنت، بكل حنان ورحمة وأُبوَّة حانية.
والله يا أخوة لقد جاءنى في الأسبوع الماضى شاب تزين اللحية وجهه وهو يكاد يبكى، قلت له: لماذا؟ قال: إن أبى يقسم علىَّ بالله إن ذهبت إلى المسجد فسوف يطردنى من البيت!! أيها الوالد أنت مسئول أن تربى ابنك من أول لحظة.
مشى الطاووس يوماً باختيالٍ فقلد مشيته بنوه
فقال: علام تختالون؟ قالوا لقد بدأت ونحن مقلدوه
يشب ناشىء الفتيان منا على ما كان عَوَّده أبوه
أيها الوالد الكريم: إذا ربيت ولدك على الفضائل، والأخلاق الكريمة والصلاح منذ نعومة أظفاره، شب حتماً على هذه الفضائل والأخلاق، نعم قد يقول لى والد: إننى أربى ولدي في البيت وسيخرج إلى الشارع ليعود وقد طُمِس بناؤه الجميل الذى اجتهدت في تزينه وتجميله، سأقول لك أبشر واطمئن فما دام الأصل سليماً وما دام الجوهر نقياً، فسرعان ما يزول هذا الغبش الذى تأثر به ظاهره، وسرعان ما يعود إلى أخلاقه وجوهره النقي، الذى اجتهدت في تأصله في بيتك على كتاب الله و سنة رسول الله .
أيها الوالد الكريم: ابنك أمانة، اجتهد لا تضيع ولدك فسوف تسأل عنه. قال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [ التحريم: 6 ]
وفى الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل في أهل بيته راع ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته ) ) ( [17] )
وتزداد المأساه يا مسلمون إذا انضم إلى استقالة الآباء استقالة الأمهات، فالأم هى الحضن التربوى الطاهر، الأم هى المدرسة الأولى للتربية، ماذا تقولون لو أغلقت المدرسة الأولى للتربية ؟! ألا وهى مدرسة الأم.
ليس اليتيم من انتهى أبواه وخلفاه في هم الحياة ذليلاً
إن اليتيم هو الذى ترى له أماً تخلت أو أبا مشغولاً
ماذا تقولون لو علمتم كما ذكرت لحضراتكم أن من الآباء من يمنع ولده من الذهاب إلى المسجد أو يمنع ولده من الذهاب إلى مجالس العلم؟ نعم أسأل الله أن يجعلنى من المنصفين، أنا لا أريد أن أقلل الآن - بعد ما أصلّت ما لوالدين من حقوق - من شأنهما عند أبنائنا وإخواننا، وإنما أود أن أقول لإخواني وأبنائي قد يأمرك الوالد بذلك من منطلق الخوف عليك، وهذا هو الواقع، فالولد قرة عين أبيه، وثمرة فؤاده، فإن أمر الوالد ولده بذلك فليعلم الوالد الكريم أن المعصية أكبر، وبأنه سيزداد خوفه بصورة أكبر إذا منع الولد من معرفة طريق المساجد، وإذا حال بين الولد وطريق السنة، وسوف يبكى الوالد دماً بدل الدموع إذا رأى ولده يحقن نفسه بحقنة مخدرات أو يتعاطى المخدرات أو يمشى مع فتاة في الحرام ولا حول ولا قوة إلا بالله، لذا أذكر آبائي الكرام بأن يفتحوا الباب على مصراعيه لأبنائهم، وليسلكوا طريق سنة النبى صلى الله عليه وسلم .
أيها الأحباب الكرام: إن للوالدين حقوقاً على الأبناء، وإن للأبناء حقوقاً على الوالدين وهناك من الوالدين من يقع في عقوق ولده قبل أن يقع ولده في عقوقه.
جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين أشكو إليك عقوق ولدي، فقال: ائتنى به، فجاء الولد إلى عمر ، فقال عمر: لم تعق أباك؟ فقال الولد: يا أمير المؤمنين ما هو حقي على والدي؟ فقال عمر: حقك عليه أن يحسن اختيار أمك، وأن يحسن اختيار اسمك وأن يعلمك القرآن. فقال الولد: والله ما فعل أبي شىء من ذلك، فالتفت عمر إلى الوالد وقال: انطلق لقد عققت ولدك قبل أن يعقك.
وأخيراً حتى لا أطيل عليكم إنها مسئولية الجميع، أرجىء الحديث عن هذا العنصر إلى ما بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحباب الكرام
خامساً: إنها مسئولية الجميع.
نعم يجب أن نعلم أن المسئولية تقع على كواهلنا جميعاً، فعلى البيت مسئولية، وعلى مناهج التعليم مسئولية، وعلى المدرسة مسئولية، وعلى الإعلام مسئولية، وعلى الشارع مسئولية، فالمسئولية تقع على كواهل الجميع، تبدأ من البيت ومن الأسرة، ولكن قد يتألم الآن بعض الأحبة ويقول إذا كان الوالد من الصالحين فاجتهد في تربية أبنائه تربية ترضى الرب سبحانه واجتهدت الأم كذلك، لكن خرج من بين هؤلاء الأبناء ابن عاق انحرف عن الطريق.
نقول: إن هذا لا يقدح في أصل القاعدة فإننى أرى بيتاً من بيوت المسلمين يشرف على التربية فيه نبي كريم من أنبياء الله وهو نبي الله نوح عليه السلام، ومع ذلك لا يخرج الولد من هذا البيت عاقاً وإنما يخرج كافراً والعياذ بالله، وألمح بيتاً آخر يقوم على أمر التربية فيه فرعون مصر طاغوت الدنيا بأسرها، ويكون هو المشرف على تربية طفل، هذا الطفل هو نبي الله موسى عليه السلام كليم الله.
فابذل ما استطعت واجتهد، وضع النتائج بعد ذلك إلى الله الذي يعلم كل شىء، والذي يعلم الحكمة إنه عليم حكيم.