هذا هو لقاءنا الثالث عشر من لقاءات هذه السلسة الكريمة المباركة وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي مع هذا المشهد المهيب الكريم حين يأتي الملك الحق جلا جلاله إلى أرض المحشر إتياناً يليق بكماله وجلاله مصداقاً لقوله سبحانه هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [البقرة:210] .
وهنا يبدأ الحساب للعباد، وهذا هو لقاءنا اليوم مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك وحتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعاً فسوف ينتظم حديثنا في العناصر التالية:
أولاً: لا ظلم اليوم.
ثانياً: العرض على الله وأخذ الكتب.
ثالثاً: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.
فأعيروني القلوب والأسماع. والله أسال أن يسترنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض إنه حليم كريم رحيم.
أولاً: لا ظلم اليوم:
أيها الأحباب الكرام: والله لو عذب الله أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، فهم عبيده في ملكه، فالمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولكنه برحمته سبحانه وتعالى وكرمه وحنانه ولطفه بعبيده قد حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرماً.
قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [ النساء: 40 ] .
وقال جل وعلا: وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصلت: 46 ] .
وقال تعالى وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ [ غافر: 31 ] .
وقال أيضاً في الحديث القدسي الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر عن الحبيب النبي عن رب العزة قال تعالى: (( يا عبادي إني حَرَّمْتُ الظلمَ على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ) ) ( [1] ) .
فالله جل وعلا عدل، لطيف، حليم، كريم لا يظلم أحداً من خلقه، ولا يظلم أحداً من عباده، ولذا فإن الله جل وعلا يحاسب العباد يوم القيامة وفقاً للقواعد التالية:
القاعدة الأولى: العدل التام الذي لا يشوبه أى ظلم.
قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] .
إعلم أنك لن تعرض على محكمة كمحاكم الدنيا ففي محاكم الدنيا قد يجيد الخصومُ التزويرَ والتحريفَ ولكن اعلم بأن الذي سيتولى محاكمتك يوم القيامة هو الله الذي قال: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر:19-20] .
وقال جل وعلا: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:47-49] .
قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8] .
فالمقصود أن عمل ابن آدم كله محفوظ و مسطور في كتاب عند الله جل وعلا لايضل ربي ولا ينسى واعلم علم اليقين أن ما نسيه الإنسان لا ينساه الرحمن.
دع عنك ماقد فات في زمن الصِّبَا واذكر ذنوبك و ابكها يا مذنب
لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعبُ
والروح منك وديعة أودعتها سَتَرُدَّهَا بالرغم منك وتُسْلَبُ
و غرورُ دنياكَ التي تَسْعَى لها دارُُ حقيقتها متاعُُ يذهبُ
الليلُ فاعلم والنهارُ كلاهما أنفاسنَا فيهما تُعَدُّ وَتُحْسَبُ
قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ القاعدة الثانية: أن لا تَزِرُ وزارة وِزْرَ أخرى
قال تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا [الإسراء:13-15] .
وقال تعالى: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وفي أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ للإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى [النجم:36-41] .
فلا تتحمل نفس ذنب نفس أخرى، بل سيمر الولد يوم القيامة على والده فيقول له والده: أي بنى أنا أبوك! اعطني حسنةً من حسناتك فلقد كنت لك نِعْمَ الأب فيقول الابن لأبيه: نفسي! ويقول الابن لأمه: نفسي.
وكيف لا؟!! وقد قال كل نبي من الأنبياء نفسي، نفسي، نفسي. إلا الحبيب المحبوب محمد .
القاعدة الثالثة: إعذار الله لخلقه:
إن الله سبحانه يعلم عمل العباد من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه القيامة، ومع ذلك من عظيم عدله وفضله وكرمه، أن يعرض على العباد أعمالهم يوم القيامة حتى لا يكون لأحد عذر بين يديه.
قال تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:30] .
وقال سبحانه: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التكوير:14] .
وقال سبحانه: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [ الانفطار: 5 ] .
القاعدة الرابعة: إقامة الشهود على العباد يوم القيامة:
وإن أعظم شهيد على العباد يوم القيامة هو الملك الذي يعلم السر وأخفى وعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون.
قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا [ النساء:33 ]
ثم تأتى الرسل وتشهد على جميع الأمم ثم تأتى أمة الحبيب لتشهد على جميع الأمم، يشهد كل رسول على أمته وتأتي أمة المحبوب لتشهد على جميع الأمم ثم يأتي خير الأولين والآخرين ليشهد على الجميع.
الله أكبر!! الله أكبر!!
قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143] .
وقال الملك لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41] .