وفى صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن الحبيب النبي قال: (( يُدْعَى نوحُُ يوم القيامة فيقال له: يا نوح، فيقول نوح: لبيك وسعديك. فيقول الله: هل بَلَّغْتَ قومك؟ فيقول نوح: نعم يا رب فيدعى قوم نوح ويقال لهم: هل بَلَّغَكُم نوح؟:فيقولون: لا ما أتانا من أحد. فيقول الله جل وعلا: من يَشْهَد لك يا نوح؟ فيقول نوح: يشهد لى محمد وأمته، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: فتدعون فتشهدون له ثم أشهد عليكم فكذلك قول الله تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم عَلَيْكُمْ شَهِيدًا( [2] ) .
ثم تشهد الملائكة، قال تعالى: وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ ق: 21 ] .
ثم تشهد الأرض بما عمل على ظهرها من طاعات وسيئات ففي الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي من حديث أبي هريرة أنه: (( قرأ يوماً قول الله: يومئذ تحدث أخبارها [الزلزلة:4] ) ). قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أخبارها أن تشهد الأرض على كل عبد أو أَمَةٍ بما عمل على ظَهْرِهَا فتقول: يا رب لقد عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا فهذا أخبارها ) ) ( [3] ) .
فيجادل العبد اللئيم ربه الكريم ويقول يا رب أنا أرفض هذه الشهادة وأرفض هؤلاء الشهود ولا أقبل شاهداً إلا من نفسي.
كما في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث أنس قال:كنا عند رسول الله فضحك، فقال: (( هل تدرون مِمَّ أضحك؟ ) )قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (( من مخاطبة العبد ربه، فيقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ يقول:بلى، فيقول: فإني لا أجيز اليوم على نفسي شاهداً إلا منى. فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، والكرام الكاتبين شهوداً، قال: فيختم على فيه، ويقول لأركانه: انطقي بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعْداً لَكُنَّ وَسُحقاً، فعنكن كنت أُناضِل ) ) ( [4] ) .
قال تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65] .
وقال جل وعلا: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ [فصلت:19-24] .
القاعدة الخامسة: مضاعفة الحسنات لأهل الإيمان:
مضاعفة الحسنات لأهل التوحيد والإيمان ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21] .
فالله سبحانه وتعالى يضاعف الحسنة إلى عشر أمثالها.
قال تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [ الأنعام: 160 ] .
ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وحسن الحديث شيخنا الألباني من حديث أبي ذر الغفاري أن النبي قال: (( قال الله تعالى في الحديث القدسي: الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد والسيئة واحدة أو أغفرها ) ) ( [5] ) .
وفى الحديث الذي رواه الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث ابن مسعود أن النبي: (( من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن(ألف) حرف (ولام) حرف (وميم) حرف )) ( [6] ) .
تدبر معي أيها الحبيب الكريم بل قد يضاعف الله الحسنة إلى أكثر من سبعمائة ضعف فذلك قول الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261] .
وهناك من الأعمال ما لا يعلم ثوابها إلا الله.
قال تعالى في الحديث القدسي المخرج في الصحيحين: قال: (( قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به ) ) ( [7] ) .
ولك أن تتصور الجزاء من الواسع الكريم جل جلاله على الصبر.
قال الله فيه: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ الزمر:10]
القاعدة السادسة والأخيرة: تبديل السيئات حسنات:
إن الله تبارك وتعالى بمنه وكرمه على عباده المؤمنين يبدل سيئاتهم حسنات قال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًاً [ الفرقان: 68 - 70 ] .
وفى الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر أنه قال: حدثنا الصادق المصدوق فقال: (( إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة وآخر أهل النار خروجاً منها، رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها فتعرض عليه صغارها، فيقال له: عملت يوم كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا فيقول: نعم لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه ) )
وفى هذه الحالة الرهيبة من الرعب والفزع يقال له: (( إن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول العبد: ربي قد عملت أشياء لا أراها هاهنا ) )، قال أبو ذر فلقد رأيت النبي ضحك حتى بدت نواجذه )) ( [8] ) .
هذا فضل الله جل وعلا على عباده المؤمنين.
أحبتي في الله: هذه هي القواعد التي يحاسب الله بها العبد يوم القيامة
ثانياً: العرض على الله وأَخْذِ الكُتُب:
فقد سجل الله في قرآنه العظيم: وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ [ق:21-29] .
وفى الصحيحين من حديث عائشة أنه قال: (( من نوقش الحساب يوم القيامة عُذِّبْ ) )قالت عائشة: يا رسول الله أو ليس الله يقول: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق:7-8]