فهرس الكتاب

الصفحة 9840 من 9994

فالإحسان من الثوابت الإيمانية التي لا يستغني عنها مؤمن في رمضان ولا في غير رمضان حتى يلقى ربه جل وعلا.

ومن هذه الثوابت الإيمانية أيضاً: قيام الليل.

في رمضان وُفقت بفضل الله ورحمته ومنته إلى صلاة التراويح والقيام فلماذا لا تستمر على هذا الدرب المنير؟.. لماذا تضيع القيام بالليل.

اسمع للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول في الحديث الذي رواه الحاكم وابن خزيمة والترمذي وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب من حديث أبي أمامة يقول: (( عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى الله تعالى ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات ) ) ( [10] ) .

فاعمل أخي المسلم على أن تكتب من القائمين الليل ولو بركعة واعمل جاهداً أن تكون من أصحاب هذه الآية: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16] .

ومن الثوابت الإيمانية: التوبة.

ما منا أحد إلا وتاب وأناب إلى الله في رمضان، فهل معنى ذلك أنه إذا انتهى رمضان انتهى زمن التوبة ولا نحتاج إلى توبة وأوبة إلى الله جل وعلا؟!

وانظر إلى حال الكثير من المسلمين تجد أن الكثير منهم ينفلتون يوم العيد إلى المعاصي والشهوات وكأنهم كانوا في سجن وبمجرد أن تم الإفراج عنهم مغرب اليوم الأخير من رمضان انطلقوا وكأنهم خرجوا من هذا السجن وسرعان ما انكبوا على أنواع المعاصي والشهوات كجائع انكب على الطعام من شدة الجوع الذي أَلَمَّ به، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ذلك ليس بحال المؤمن الموحد، فإن المؤمن الموحد عمره كله عنده عبادة لرب الأرض والسماوات فتجده ينتقل من عبودية إلى عبودية، ومن طاعة إلى طاعة ومن فضل إلى فضل، لذا يجب عليك أن تكون دائماً في عبودية حتى تلقى رب البرية، يقول النبي كما في صحيح البخاري من حديث أبى هريرة: (( والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ) ) ( [11] ) .

النبي صلوات الله عليه وسلامه يقسم بالله، أنه يتوب ويستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بل وفي رواية مسلم قال (( يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إليه واستغفره في اليوم مائة مرة ) ) ( [12] ) .

هذا حال سيد الخلق أجمعين وإمام المرسلين فما حالنا؟! فالتوبة من الثوابت الإيمانية التي لا غنى عنها لمؤمن بعد رمضان، وهذه بعض الثوابت التي نحافظ عليها في رمضان، ويتخلى عنها أكثرنا بعد رمضان، فأحببت أن أذكر نفسي وأحبابي وأخواتي بهذه الثوابت الإيمانية التي لا يستغني عنها مؤمن بحال حتى يلقى رب البرية جل وعلا.

ثانيا: عرفت فالزم.

ذقت حلاوة الإيمان وعرفت طعم الإيمان، عرفت هذا في رمضان، ما منا من أحد صام وقام رمضان وقام ليلة القدر إلا وذاق هذه الحلاوة، حلاوة شرح الصدر وسرور القلب، عرفت فالزم، الزم هذا الضرب المنير، واستقم على هذا الصراط المستقيم، ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: (( يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل ) ) ( [13] ) . وفي صحيح مسلم من حديث عائشة قالت: (( كان رسول الله إذا عمل عملاً أثبته ) ) ( [14] ) . أي داوم عليه وحافظ عليه.

وفي صحيح مسلم من حديث أبي عمرة سفيان بن عبد الله الثقفي أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم (( قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك ) ). قال الحبيب: (( قل آمنت بالله ثم استقم ) ) ( [15] ) ، قل آمنت بالله ثم استقم، أي استقم على ضرب الإيمان، استقم على طريق التوبة، استقم على طريق الاستغفار، استقم على طريق قيام الليل، استقم على طريق الإحسان، استقم على طريق هذه الثوابت الإيمانية التي أعانك الله عليها في رمضان، قال جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآْخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32] .

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا قرأها يوماً على المنبر عمر بن الخطاب فقال: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ثم استقاموا على منهج الله فلم يروغوا روغان الثعالب، والاستقامة هي المداومة والثبات على الطاعة.

أيها الحبيب الكريم: عرفت فالزم.. الزم هذا الدرب ولا تنحرف عنه.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ،ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد أيها الأحبة الكرام.

ثالثاً: استعن بالله ولا تعجز.

من أعانه الله على الطاعة فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول لك على طاعته، ولا قوة لك على الثبات على دينه إلا بمدده سبحانه فاستعن بالله ولا تعجز واتقه ما استطعت واطلب المدد والعون منه أن يثبتك على طريق طاعته وعلى درب نبيه وتدبر وصيته لمعاذ بن جبل.

كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما أن النبي ال لمعاذ بن جبل يوماً: (( يا معاذ والله إني لأحبك، فقال: أوصيك يا معاذ، لا تدعن في كل صلاة - وفي رواية- دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) ) ( [1] ) .

نعم اطلب العون والمدد من الله على عبادته سبحانه وأنت إن سلكت هذا الدرب المنير لن يخزك الله أبداً، أليس هو القائل: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] .

هذا وعد منْ؟! وعد رب العالمين، ورب الكعبة سيصرف الله بصرك عن الحرام، وسيصرف الله قلبك عن الشهوات والشبهات، وسيحفظ الله فرجك من الحرام، وسيصرف الله يدك عن البطش في الحرام، وسيصرف الله قدمك من الخطأ الحرام، فأحسن أيها المسلم الموحد ليكون الله معك، فمن توكل عليه كفاه، ومن اعتصم به نجَّاه، ومن فوض إليه أموره كفاه، قال جل في علاه: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ … [الزمر:36] .

علق قلبك بالله سبحانه فهو الغنى الذي لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية، ومع ذلك لو تاب إليه عبده الفقير الحقير مثلى لفرج بتوبته وهو الغنى عن العالمين يقول النبي: (( لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوِّيَّة مهلكةٍ، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله - قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ، فإذا راحلته عنده، عليها زاده وشرابه فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده ) ) ( [2] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت