وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب: (( قدم على النبي سَبْيٌ، فإذا امرأة من السَّبْي تحلُب ثديها تسقي، إذا وجدت صبياً في السبي أخذته، فألصقته ببطنها وأرضعته ) )فقال لنا النبي: (( أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ ) )قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال (( لله أرحم بعباده من هذه بولدها ) ) ( [3] ) .
والله لو تدبرت هذا الحديث لوقفت على العجب العجاب، لذا قال أحد السلف: اللهم إنك تعلم أن أمي هي أرحم الناس بي وأنا أعلم أنك أرحم بي من أمي، وأمي لا ترضى لي الهلاك أفترضاه لي وأنت أرحم الراحمين؟!!
نعم إنها رحمة الله جل وعلا، ينادي بها على عباده بهذا النداء الندى العذب: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] .
إنها رحمة الله التي وسعت كل شيء فاستعن بالله ولا تعجز، و إن زلت قدمك عُد وإن زلت أخرى عُد، وإن زلت للمرة الألف عُد، واعلم بأن الله لا يمل حتى تملّوا، نحن عبيده هو الذي خلقنا ويعرف ضعفنا وفقرنا وعجزنا لذا لا يريد منا الطاعة وإنما يريد منا العبودية له سبحانه وتعالى.
فالطاعة لك أنت، فهو سبحانه لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية ففي صحيح مسلم من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر أن رسول الله قال: قال الله تعالى: (( ... يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً… ) ) ( [4] ) .
أيها الموحد: استعن بالله على الطاعة، واستعن بالله على أن تثبت على هذا الدرب المنير، واعلم يقيناً أن من أعظم الأسباب التي تعين العبد على أن يثبت على طاعة الله جل وعلا أن يكون وسطاً معتدلاً في طاعته لربه، لا غلواً في الإسلام ولا تنطع، فخير الأمور الوسط، لا غلو، لا إفراط، لا تفريط، لذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( إن الدين يسرٌ ولن يشاد الدينَ أحد إلا غلبه فَسَدَّدوا وقاربوا و أبشروا واستعينوا بالغَدْوَةِ والرَّوحة وشيء من الدُّلْجة ) ) ( [5] ) .
وعن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: (( ما هذا الحبل؟ ) )قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت، فقال النبي: (( لا، حلّوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فَتَرَ فليقعد ) ) ( [6] ) .
وكلكم يعلم قصة الرهط الذين جاءوا لبيوت النبي والحديث في الصحيحين من حديث أنس: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادة النبي فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ؟ فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء إليهم النبي فقال: (( أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكنى أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منى ) ) ( [7] ) .
نعم لقد جمع النبي هذا المنهج الوسط وحوله إلى منهج عملي على أرض الواقع في هذا الدعاء الرقيق الرقراق الذي رواه مسلم فقد كان النبي يدعو الله ويقول: (( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دُنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر ) ) ( [8] ) .
إنه منهج الوسط.. منهج الاعتدال، لقد جمع النبي بكلماته هذه بين خيري الدنيا والآخرة لأن من كسب الدنيا بالعمل الصالح كسب الآخرة بإذن الله، ومن خسر الدنيا بالعمل السيء خسر الآخرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
( [1] ) رواه البخارى رقم ( 662 ) فى الآذان ، باب فضل من غدا إلى المسجد أو راح ، ومسلم رقم ( 669 ) فى المساجد ، باب المشى إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات .
( [2] ) رواه مسلم رقم ( 251 ) فى الطهارة ، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره ، والموطأ ( 1/ 161 ) فى قصر الصلاة في السفر ، والترمذى رقم ( 51 ) فى الطهارة ، والنسائى ( 1/89-90 ) فى الطهارة .
( [3] ) رواه الترمذى رقم ( 413 ) فى الصلاة ، باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة ، والنسائى ( 1/ 232 ) فى الصلاة والحاكم ( 1/ 263 ) ورواه أيضاً أحمد في المسند ( 5/ 72 ) وهو في صحيح الجامع ( 2573 ) .
( [4] ) رواه مسلم رقم ( 804 ) فى صلاة المسافرين ، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة ، والترمذى رقم ( 2886 ) فى ثواب القرآن ، باب ما جاء في سورة آل عمران .
( [5] ) رواه البخارى رقم ( 5026 ) فى فضائل القرآن ، باب اغتباط صاحب القرآن ، ومسلم رقم ( 815 ) فى صلاة المسافرين ، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه ، والترمذى رقم ( 1937 ) فى البر والصلة .
( [6] ) الموطأ موقوفاً ( 1/ 112 ) فى القرآن ، باب ما جاء في ذكر الله تعالى ، ومرفوعاً عند أحمد في المسند ( 5/ 239 ) ، ( 6/ 447 ) والترمذى رقم ( 3374 ) فى الدعوات ، وابن ماجة رقم ( 3790 ) فى الأدب وصححه الأرناؤوط في تخريج جامع الأصول .
( [7] ) رواه البخارى رقم ( 7405 ) فى التوحيد ، باب قول الله تعالى: ويحذركم الله نفسه ومسلم رقم ( 2675 ) فى الذكر ، باب الحث على ذكر الله تعالى .
( [8] ) أخرجه الترمذى رقم ( 2867 ) فى الأمثال ، باب ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة والطبرانى في الكبير ( 3/ 285 ) رقم ( 3427 ) وابن خزيمة وابن حبان ( 1222 موارد ) والحاكم ( 1/ 117 ) وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبى وهو في صحيح الجامع ( 1724)
( [9] ) رواه البخارى ( 6539 ) فى التوحيد ، باب كلام الرب عز وجل ، ومسلم ( 1016 ) فى الزكاة ، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ، والترمذى ( 2427 ) فى صفة القيامة
( [10] ) رواه الترمذى رقم ( 3543 ، 3544 ) فى الدعوات وابن أبى الدنيا فى (( كتاب التهجد ) )وابن خزيمة في صحيحه وحسنه الألبانى في صحيح الترغيب ( 620 ) وهو في صحيح الجامع ( 4079 )
( [11] ) رواه البخارى رقم ( 6307 ) فى الدعوات ، باب استغفار النبى صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة .
[12] رواه مسلم رقم ( 2702 ) فى الذكر والدعاء ، باب استحباب الاستغفار والإكثار منه
( [13] ) رواه البخارى ( 6462 ) فى الرقاق ، باب القصد والمداومة في العمل ، ومسلم ( 782 ) فى الصلاة ، باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره ،واللفظ له والموطأ ( 1/ 118 )
وأبو داود ( 1/ 315 ) فى صلاة الليل ، والنسائى ( 3/ 218 ) فى صلاة الليل .
( [14] ) رواه مسلم رقم ( 746 / 141 ) فى صلاة المسافرين ، باب جامع صلاة الليل .
( [15] ) رواه أحمد في المسند ( 3/ 413 ، 4/ 385 ) ومسلم رقم ( 38 ) فى الإيمان ، باب جامع أوصاف الإسلام ، والترمذى رقم ( 2412 ) فى الزهد ، باب ما جاء في حفظ اللسان قال هذا حديث صحيح ، وابن ماجة رقم ( 3972 ) فى الفتن ، والدارمى ( 2710 ) فىالرقاق ، والبيهقى في السنن ( 6/ 320 ) وعبد الرازق في مصنفه ( 2011 ) وابن حبان ( 2543 موارد ) والحاكم في المستدرك ( 4/ 313 ) ، والخطيب في تاريخه ( 2/ 370 )