فهرس الكتاب

الصفحة 9855 من 9994

ورد في مسند الإمام أحمد بسند حسن من حديث بُسر بن جُحاش القرشى أن رسول الله بصق يوماً في كفه فوضع عليها أصبعه ثم قال: قال الله عز وجل: « يا ابْنَ آدَمَ أَنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ؟ حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ قُلْت:َ أَتَصَدَّقُ وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ » ( [7] ) .

حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( [8] )

أحبتى في الله نعود إلى الحديث: يقول الملك:

ألم تك أبرص يقذرك الناس ، فقيرا فأغناك الله؟!

فقال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر !! كلمتان كانت السبب في محو هذه النعمة وفي زوال هذا الخير..يقول له الملك: «إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت »

يعلق الحافظ ابن حجر في الفتح ويقول: وجاء في النص النبوي إن الله عز وجل قد فعل به ورده إلى ما كان إليه أول مرة.

ثم ذهب الملك إلى الرجل الثانى وقال لما مثل ما قال للرجل الأول فرد عليه مثل مارد عليه الرجل الأول فقال له الرجل الأول فقال الملك: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت فصار إلى ما كان كما قال الحافظ ابن حجر، ثم ذهب الملك إلى الرجل الثالث وهو الأعمى فقال:« رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ، شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي؟ فَقَال:َ قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ ( [9] ) الْيَوْمَ بشئ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ عز وجل

فَقَالَ الملك: أَمْسِكْ عليك مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ الله عَنْكَ، وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ ( [10] )

ألم أقل لك أيها الحبيب بأن الدنيا دار ابتلاء.. ألم أقل لك أيها الحبيب بأن الدنيا دار اختبار.

َاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ( [11] )

أيها الحبيب الكريم: قال لقمان الحكيم لولده: أى بنى إنك من يوم أن نزلت إلى الدنيا استدبرت الدنيا، واستقبلت الآخرة، فأنت على دار تقبل عليها أقرب من دار تبتعد عنها.

أيها الحبيب الكريم.. أيها الشاب .. أيها الوالد الفاضل.. أيتها الأخت الكريمة الفاضلة:

أيها الحبيب الكريم .. الدنيا دار ابتلاء وبوتقة اختبار، وليست دار قرار ، وإنما دار القرار هي الجنة، جنة الكبير المتعال أسأل الله أن يجعلنى وإياكم من أهلها.

هذا بإيجاز عن العنصر الأولى حتى أُعَرِّج على بقية عناصر الموضوع إن شاء الله جل وعلا.

ثانيا: خطر الذنوب والمعاصي

لما كان الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان ويعلم ضعفه وفقره وعجزه ويعلم أنه لا يستطيع أن يقنن أو يشرع لنفسه ما يسعده في الدنيا والآخرة. جعل الله للإنسان منهجا يضمن له السعادة في الدنيا والآخرة فقال:

وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ( [12] )

أيها الحبيب

وضع الله للبشرية منهجاً يضمن لها السعادة في الدنيا والآخرة. فمن اتبع منهج الله.

سعد في دنياه وسعد في أخراه، ومن أعرض عن منهج الله وعصى مولاه شقى في دنياه، وهلك في أخراه.

فالمعاصى سبب للشقاء في الدنيا والآخرة.. المعصية سبب للشقاء في الدنيا والآخرة.

الله جل وعلا يأمرك .. فاتمر نهاك فانتهى .. حد لك حدودا لسعادتك فامتثل حدود الله، وأوامر الله.. احفظ الله يحفظك..

يقول الحافظ ابن رجب: احفظ الله بالإمتثال لأوامره والإستجابة لنواهيه والوقوف عند حدوده. إن فعلت ذلك فأنت ممن حفظ أوامر الله تبارك وتعالى.

أيها الحبيب الكريم:

المعصية ابتعاد عن منهج الله، ابتعاد عن حدود الله، تحد لأوامر الله تبارك وتعالى، فمن أخطر آثار المعاصي والذنوب أنها أخرجت الأبوين الكريمين من الجنة. نعم بسبب المعصية. وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ( [13] ) . فمن الذي أخرج الأبوين الكريمين من الجنة.. وما الذي طرد إبليس من رحمة الله.. وما الذي أهلك قوم فرعون..وما الذي أهلك قوم عاد.. وما الذي أهلك قوم ثمود.. وما الذي أهلك قوم قارون..وما الذي أهلك الَّظلَمَةَ والفَّجَرَةَ والجبابرة في كل عصر وحين.. إنه شؤم المعاصى والذنوب. فالمعاصى سبب للشقاء في الدنيا والآخرة.

وانتبه أيها الحبيب الكريم: فمن أخطر آثار المعاصى والذبوب..

1-حرمان العلم:

يقول عبد الله بن مسعود ، في قوله تبارك وتعالى: وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( [14] )

انتبه.. فإن كثيراً من طلاب العلم يشتكى سوء حفظه وضعف ذاكراته ولو فتشت أيها الحبيب الكريم لعلمت أن السبب هو المعاصى والذنوب.

يقول ابن عباس:

إن للمعصية سواداً في الوجه، وظلمة في القبر وَوَهَناً في البدن، وضيقاً في الرزق، وبُغضاً في قلوب الخلق، وإن للطاعة: نوراً في الوجه، ونوراً في القلب، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق.

ويقول ابن مسعود:

إن لأحسب أن الرجل ينسى العلم يعلمه بالذنب يعمله.

لما أراد الشافعى الإمام أن يتلقى العلم على يدى. سيد المسلمين في زمانه الإمام مالك بن أنس بعدما تلقى العربية وفنونها في قبيلة هُذيل. عاد الشافعى يتكلم العربية بلغة فصيحة عجيبة فاغتاظ منه أحد بنى أعمامه وقال: يا شافعى يعز علىّ ألا أرى مع هذه اللغة فقهاً وعلماً. فقال الشافعى: فَعَلَى يَدِ مَنْ أطلب العلم: قال على يد سيد المسلمين، اذهب إلى مالك بن أنس في مدينة رسول الله ، وانطلق هذا الشاب الزكى العبقري الصغير الذي لم يكن حينها قد جاوز الخامس عشرة من عمره، انطلق الشافعى ليبحث عن كتاب الإمام مالك «الموطأ» فاستعار الموطأ من رجل وعكف الشافعي مع الموطأ فحفظه عن ظهر قلب في تسع ليال. وأخذه في صدره، وانطلق إلى المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام.

وجلس الشافعى الإمام بين يدى أستاذه وشيخه مالك بن أنس وافتتح الشافعى الموطأ من حفظه ، فكلما نظر مالك إلى الشافعى يقرأ الموطأ من صدره أعجب بذكاءه، وبحسن قراءته وقوة حافظته وذاكرته وببلاغته.

يقول الشافعى: فكلما نظرت إلى مالك تهيبت أن أواصل القراءة، فنظر إلى مالك وقد أعجب بحسن قراءتى وحفظى وقال لى:زد يا فتى .. زد يا فتى .. زد يا فتى .. حتى أنهيت الموطأ كله في أيام قليلة. فلما رأى مالك هذا الذكاء وهذا الحفظ من الشافعى قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت