فهرس الكتاب

الصفحة 9956 من 9994

وعن أبي هريرة أيضا - واللفظ لمسلم أن النبي قال:"والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على قبر الرجل فيتمرد عليه أو ليتمرغ عليه ويقول: يا ليتني كنت صاحب هذا القبر وليس به الدين إلا البلاء" (1) وليس به الدين إلا البلاء ، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وتدبر هذا القول لابن

مسعود: سيأتي عليكم زمان لو وجد أحدكم الموت يباع لاشتراه .. وأنا أسأل هل هناك من الناس من يتمنى الموت الآن أم لا؟ كثير كثير .

قال الحافظ العراقي: لا يلزم كونه في كل بلد ولا في كل زمان ولا في جميع الناس ، يعني لا يلزم تمني الموت عند كل الناس ، ولا في كل زمان ولا في كل مكان بل يصدق عند البعض في بعض الأقطار ، في بعض الأزمان ، وفي تعليق تمنيه بالمرور إشعار بشدة ما نزل بالناس من الفساد ، من فساد الحال ، حال إذ إن المرء يتمني الموت من غير استحضار لهيئته فإذا شاهد الموت ، ورأى القبور نشذ بطبعه ونفر بسجيته من تمنيه ، ومع ذلك لقوة الشدة التي وقعت به لم يصرفه عن الموت ما شاهده من وحشة القبور .

ولا يناقض هذا - النهي عن تمني الموت ، لأن مقتضى هذا الحديث الإخبار عما يكون وليس فيه تعرض لحكم شرعي .

قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى: ظن بعض الناس أن هذا الحديث معارض عن للنهي عن تمني الموت وليس كذلك وإنما يقع هذا لشدة تنزل بالناس من الفساد الحال في الدين أو ضعفه أو خوف ذهابه لا لضرر ينزل بالجسم يعني بأن الفتنة إن وقعت في الدين قد يتمني المسلم الموت خوفا على دينه والنبي يقول - حتى أجمع لحضراتكم بين حديثين كما في الصحيحين من حديث أنس يقول:"لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لابد متمنيا فليقل:"اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي" ( [1] ) "

وفي لفظ مسلم أنه قال:"لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا" ( [2] )

أي المؤمن إن طال عمره وحسن عمله ، إذا النبي ينهي عن تمني الموت إلا لضر وقع به لضر وقع بك ، وإن كنت لا بد متمنياً فادعوا بدعاء النبي:"اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي"

الحافظ ابن عبد البر يقول: بأن المرء قد يتمنى الموت خوفاً على دينه من شدة الفتن التي تحيط به ، الإمام الطيبي رحمه الله تعالى أيضا يقول: لا فالنبي يقول وليس به الدين إلا البلاء فهو يتمني الموت لبلاء أصابه في دنياه ، لا لدينه فهم يجمعون إذن بين البلاء ، الذي يخشاه الإنسان على دينه وبين البلاء الذي يخشاه الإنسان على دنياه ، فيتمنى حينئذ الموت لهذا الابتلاء الذي أصابه سواء كان الابتلاء في الدين أو في الدنيا .

والنبي قد أخبر كما في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال:"يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال - أي رؤوس الجبال - أو مواقع القبر يفر بدينه من الفتن" ( [3] )

فإذا خاف الإنسان على دينه من الفتن فدعا الله عز وجل فله سلف وإذا نزل بالإنسان بلاء في أمر الدنيا ، فخشي على نفسه أيضا أن يذل فدعا على نفسه بهذا الدعاء فله سلف .

والحديث كعلامة من العلامات الصغرى له يبين فيه النبي أمراً سيقع ولا يبين فيه حكما شرعيا بالجواز من عدمه لكنني أتعرض لقضية الجواز من عدمه فأقول: إن تمنى أحدنا الموت لفتنة يخشاها على دينه لو لفتنة يخشى بها على دنياه فليلتزم بدعاء النبي ويقول: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي .

ومن جميل ما قرأت أن سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى قال: لا يتمنى الموت إلا ثلاثة: رجل جاهل بما بعد الموت ، لا يعلم الأهوال الفظيعة التي تقع بعد الموت، فبعد الموت قبر والقبر إما روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النيران ، وبعد القبر بعث وبعد البعث حشر ، وبعد الحشر حساب ، وبعد الحساب ميزان ، وبعد الميزان صراط ، وبعد الصراط قنطرة يعبر عليها المؤمنون الخلص ، وبعد القنطرة جنة أو نار وهذا سنفصله إن شاء الله تعالى في دروسنا المقبلة فإن الرجل الذي يتمنى الموت يقول سهل بن عبد الله الدستوري رحمه الله تعالى قال: لا يتمنى الموت إلا ثلاثة: رجل جاهل بما بعد الموت ، ورجل يفر من أقدار الله عليه ، والثالث: رجل محب مشتاق للقاء الله عز وجل .

وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث عائشة أن النبي قال:"من أحب لقاء الله أحب لله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"قالت عائشة رضي الله عنها: أكراهية الموت يا رسول الله ؟ فكلنا يكره الموت قال:"ليس ذلك يا عائشة ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وإن الكافر إذا بشر بسخط الله وعذابه كره لقاء الله فكره الله لقاءه" ( [4] ) . رجل محب مشتاق للقاء الله عز وجل .

لما نام أبو ذر على فراش الموت ودخلت ابنته تبكي فقال لها أبو ذر: لا تبكي يا ابنتي غدا ألقى الأحبة محمد وحزبه .

ولما نام الصديق على فراش الموت ودخلت عائشة تبكي أبا بكر رضي الله عنه وهي تقول:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

فكشف الصديق الغطاء عن وجهه وقال: لا يا ابنتي لا تقولي هذا وإنما قولي (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) (قّ/19)

فالمؤمن مشتاق للقاء الله ، محب للقاء الله جل وعلا .

ولذلك قال عبد الملك بن مروان لأبي حازم الزاهد العابد قال: يا أبا حازم كيف حالنا عند الله؟ فقال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله لتتعرف على حالك ، ولتعلم مكانتك عنده .

فقال: أين أجد ذلك ؟

فقال أبو حازم: في كتاب الله تعالى في قوله ( إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) (الانفطار/14)

فقال: أين رحمة الله عز وجل ؟

فقال أبو حازم: إن رحمة الله قريب من المحسنين .

فقال: فكيف القدوم على الله غدا ؟

فقال أبو حازم - وهذا محل الشاهد -: أما المؤمن فكالغائب يرجع إلى أهله الرجل الغائب عن أهله في سفر - انظر كيف يكون استقبال أهله له حال عودته يستقبلونه بحفاوة وحب وفرحة وسعادة - وأما العبد المسيء فكالآبق يرجع إلى مولاه - العبد الآبق الذي هرب من سيده وخالف أوامر سيده كيف يكون حال قلبه حال عودته إلى سيده خائف مضطرب يخشى العقوبة والعذاب فكذلك المؤمن حين يرجع إلى الله عز وجل يرجع رجوع العبد الغائب عن أهله - وكذلك العبد المذنب المسيء يرجع إلى الله عز وجل كرجوع العبد الآبق إلى مولاه ولا حول ولا قوة إلا بالله .

فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه اللهم حبب إلينا لقاءك يا رب العالمين واجعل يوم لقائنا بك أحب أيامنا إليك يا رب العالمين ، من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه .

قالت عائشة رضي الله عنها: أكراهية الموت يا رسول الله فكلنا يكره الموت قال:"ليس ذلك يا عائشة ولكن المؤمن إذا بشر".

وقد يسألني طالب علم نبيه فيقول: متى يبشر المؤمن حتى يحب لقاء الله ؟ وخذ هذا الجواب واحفظه: يبشر المؤمن بلقاء الله عز وجل وهو على فراش الموت وقد أحاطت به الملائكة وعلى رأسه يجلس ملك الموت في هذه اللحظات العصيبة الشديدة تتنزل ملائكة التثبيت على عبد الله المؤمن وهو في هذه اللحظات وهو بين أهله وخلانه وأحبابه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت