إذا نزل ملك الموت وجلس عند رأسه وجلست الملائكة يعاين المؤمن الملائكة ويراها ، لأنه بدأ ينتقل في هذه اللحظات من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة هو وحده يرى الملائكة ولو أن الغرفة مليئة بالناس فلا يرون شيئا هو وحده الذي يرى الملائكة يرى ملك الموت عند رأسه ويرى الملائكة في الغرفة معه وحينئذ إن كان من المؤمنين الصادقين بشرته ملائكة رب العالمين بهذه البشارة العظيمة ، كما قال ربنا جل وعلا ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت/30) هنا يقول النبي: فيرى المؤمن مقعده من الجنة يكشف الله عز وجل له الحجب فيرى مقعده من الجنة فيبشر فيتمنى المؤمن في هذه اللحظة لقاء الله عز وجل .
في وقت تنزل الملائكة بالثبات على أهل الإيمان قولان: القول الأول: وهم على فراش الموت والقول الثاني: حين يخرج أهل الإيمان من القبور يوم البعث والنشور ، فتتلقاهم ملائكة العزيز الغفور بهذه البشرى حتى يدخلوا الجنة ، ويا لها من كرامة في الوقتين معا فأنا أقول لكم وما الذي يمنع أن نجمع بين الوقتين في آن بمعنى أن تتنزل الملائكة عليهم ساعة الموت بالبشارة وأن تتلقاهم حين يخرجون من القبور بدليل قوله: ( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ) (فصلت/31) لا نترككم أبدا كنا معكم في الدنيا نثبتكم ونحفظكم ونؤيدكم ونحن معكم في الآخرة نبشركم ولا نتخلى عنكم ، حتى تدخلوا جنة ربكم جل وعلا نسأل الله أن يختم لنا ولكم بالإيمان وأن يجعلنا وإياكم من أهل البشارة الكريمة إنه ولي ذلك والقادر عليه .
العلامة الحادية والثلاثون: وقوع التناكر وعدم المعرفة بين كثير من الناس فعن حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه قال: سئل رسول الله عن الساعة فقال:"علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ولكن أخبركم بأشراطها وما يكون بين يديها إن بين يديها فتنة وهرجاً"قالوا: يا رسول الله الفتنة قد عرفناها والهرج ما هو ؟ فقال بلسان الحبشة:"القتل ويلقى بين الناس التناكر فلا يكاد أحد أن يعرف أحدا" (1)
وأنا أسأل: لو نظر أحدنا عن يمينه وعن يساره هل تعرف من يجلس بجوارك ؟ صدق المصطفى صلى الله عليه وسلم يعني إن جزمت أن نسبة ما يزيد عن 80% ممن يجلسون بين يديَّ الآن لا يعرف بعضهم بعضا ، وهم أهل الصفوة هم أهل الخير والالتزام يعني ربما ينظر كثيرا من بيننا الآن عن يمينه وعن شماله فلا يعرف من يجلس عن يمينه ولا من يجلس عن يساره وقوع التناكر بين الناس فلا يكاد أحد أن يعرف أحد ..
والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده وقال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد ورجاله جميعا رجال الصحيح: موضوع التناكر بين الناس أصبح واقعا وأنا أقول حينما تستولي الماديات والشهوات وتطغى على حياة الناس ، وتنزل بالناس الأنانية الرهيبة فتشعر أن كثيراً من الناسِ لا يعيش فقط إلا من أجل نفسه ، ولا يهتم البتة بغيره ولا تكون هناك على الإطلاق أي قيم أخلاقية بل تغلب المنافع المادية والمصالح المادية الدنيوية الزائلة وتكون المعيار الحقيقي أو الرئيسي في التعامل لا يشعر الإنسان بإخوانه وتقطع الآسرة الإيمانية والأخوة في الله بين كثير حتى من الملتزمين فضلا عن عوام المسلمين ، لو فتشت الآن عن الأخوة في الله ، عن الحب في الله ، عن الروابط الإيمانية العظيمة التي أرسى أساسها القرآن ورفع بنيانها العظيم محمد لو فتشت عنها الآن في زماننا ، وفي أيامنا هذه لبكيت دما بدل الدمع هذا واقع بين إخواننا الملتزمين ، فربما وهذا أمر يؤلمني كثيرا جدا - ربما يحضر الأخ بجوار أخيه عشرات المحاضرات ، ربما لا يفكر أن يتعرف عليه ، ربما لا يلقي الأخ السلام إلا على أخيه صاحب اللحية ، فإذا وجد إلى جواره أخاً في المسجد حتى لا يحتج علىّ بعض الأخوة ويقولون: يا شيخ نحن لا ننكر عليك ولكنك تعلم أننا نعيش في مجتمع أصبح لا يعرف فيه المسلم حيث إننا لا نرى فوارق كبيرة بين المسلمين ، وغير المسلمين .
أنا أقول لك: حتى في المسجد قد ترى بجوارك أخ بغير لحية وفي المسجد يصلي معك ولا تشك لحظة في إسلامه ومع ذلك لا يلقي الأخ السلام على أخيه الملتحي ، ولا يهش ولا يبش إلا في وجه أخيه صاحب اللحية هذا واقع .
أتمنى من كل قلبي أن يعلم إخواني من الطلاب جزاهم الله خيرا من أبناء الصحوة أن أعظم خطر أن يجامل الدعاة أبناء الصحوة على حساب المنهج من أجل ألا يغضب طلابه أو إخوانه ، هذا باطل وخطر عظيم ينبغي على الدعاة ، على الحذاة لهذه الصحوة الكريمة أن يكونوا أمناء ، وأن يصدقوا الله عز وجل في نصحهم لأبناء الصحوة وطلاب علمهم .
فلا يمنعني أبدا حبي لطلابي وإخواني أن أنصح لهم وأن أبين لهم الباطل الذي هم عليه حتى ولو كان على حساب غضبهم مني فإن الحق أحب إلينا من الجميع .
بل أنا أقول لكم: إن جاملت طلاب العلم على حساب المنهج خوفاً من أن يفر الطالب من بين يدي ، لا يحضر لي بعد ذلك ، أؤكد لكم أن عملي هذا يحتاج إلى توبة ، لأن النية غير صحيحة فلابد من تصحيح الأخطاء ولا ينبغي أن ندفن رؤوسنا في الرمال كالنعام وأن نتغاضى عن أخطاء الصحوة ، وعن أخطاء الحركة الإسلامية هذا واقع ينبغي أن تفتح صدرك ، أخيك تعرف على أخيك .
إن رأيت زميلا من زملائك يحضر الليلة لأول مرة ، لماذا لا تحرص على أن تكون سبباً في ربطه بهذا المسجد وهذه المحاضرة وغيرها من المحاضرات ؟ باستقبالك ، بحفاوتك به بترحيبك به ، لتتعرف عليه: مرحبا بك يا أخي من أنت ومنذ متى تحضر ؟ ولماذا فرطت في هذه السنوات الماضية لماذا لا تشعر هذا الأخ بأنه جاء إلى مكان يشعر فيه بالأمن والراحة والاستقرار والأمان .
تتصل عليّ أخت من الأخوات في الأسبوع الماضي فقط وتقول لي بأنها لمجرد أنها جاءت بغير الزي الشرعي ، شرح الله صدرها وحضرت لأول مرة الأربعاء الماضي فقط ، وجاءت بزي يخالف زي أخوات معنا الآن ، تقول: وما كان من الأخوات اللائى جلسن إلى جواري إلا أن وبخنني بكلمات تمنيت أن لو لم آتي إلى المسجد أبدا .
قلت: سبحان الله ! مع أن هذا يخالف المنهج يخالف منهجنا تماما وأنا قلت لكم: هل سمعتم عن طبيب فتح عيادة خاصة ، ثم إذا دخل العيادة مريض ، لأنه مريض أبدا إنه ما فتح عيادته إلا للمرضى وأنتم يا من منّ الله عليكم بالسنة والالتزام والدعوة أنتم أطباء للمرضى من أصحاب المعاصي والذنوب .
فإن وجدت مريضا أو إن وجدت أيتها الأخت الفاضلة مريضة بمعنى أنها بعيدة عن الله عز وجل ، فهذا هو المرض الحقيقي ، فإن كانت المصيبة في الدين فهي المصيبة وإن كانت في البدن ، فهي بجوار مصيبة الدين فهي هينة فإن وجدت رجلاً بعيداً عن الله وإن وجدت أيتها الأخت التي تجلسين معي الآن أخت بعيدة عن الله فينبغي أن نفتح قلوبنا قبل مساجدنا لهؤلاء لإخواننا ولأخواتنا إن لم يتعرفوا على الحق معنا ، أين سيتعرفون على الحق ؟ إن لم نفتح لهم قلوبنا ونشرح لهم صدورنا ونوجه هؤلاء بالكلمة الرقراقة والحكمة البالغة والموعظة الحسنة فنحن بذلك نضع الحواجز والسدود بيننا وبين هؤلاء وسنترك هؤلاء فريسة للعلمانيين الذين يتفنون في صيد هؤلاء ، وجذبهم إلى الباطل بكل الصور ، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفقه والعلم .