فهرس الكتاب

الصفحة 1710 من 9994

تأمل قول الله جل وعلا: وعاداً وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين إنهم قد زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن سبيل الله، عن الصراط المستقيم، عن الحق وكانوا مستبصرين كانوا أهل بصيرة، لم يكونوا أهل جهل وأهل عدم علم بالحق، بل كانوا مستبصرين قد تبين لهم ما جاءت به الرسل، قد تبين لهم ما في كتب الله، لكن آثروا طاعة الشيطان على طاعة الله فزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين، وتأمل قول الله جل وعلا في الذي آتاه الله جل وعلا آياته فانسلخ منها قال بعد ذلك ربنا جل وعلا: ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون [الأعراف:176] .

إنه ليس مثلاً لواحد من الناس بل هو مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، وينتج من ذلك أنه مثل أيضاً لتبعض صفات أولئك، مثل لمن كان فيه خصلة من ذلك، فإن الله جل جلاله يرضى عن العباد إذا أخذوا بشرعه كاملاً، ويرضى عنهم إذا جاهدوا أنفسهم بذلك، لهذا جعلهم خير أمةٍ أخرجت للناس بقوله: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله [آل عمران:110] . وقال جل وعلا: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون [آل عمران:104] .

إن الله جل جلاله جعل من سنته في الأمم أنهم إذا أطاعوه بارك لهم في أنفسهم، بارك لهم في أولادهم، وفي الأثر الإلهي: (( إنني أنا الله لا إله إلا أنا، إذا أُطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية، وإنني أنا الله لا إله إلا أنا، إذا عُصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، وإن لعنتي لتبلغ السابع من الولد ) ) [2] من جراء فعل الآباء.

أيها المؤمنون: إن علينا أن ننظر إلى واقع المسلمين اليوم وواقعنا بخاصة وواقع الناس المسلمين بعامة، وننظر بعين المتأكد غير الشاك أن ما أصاب الناس من خلل في أنفسهم، من خلل في أمنهم، من خلل في أموالهم، من خلل في اقتصادهم، من خلل في أحوالهم إنما هو بسبب إعراضهم عن بعض ما أنزل الله جل جلاله، إن لم يكن ذلك من الابتلاء الذي ابتلى الله به عباده.

ولكن الله بين لنا في كتابه أنه يعطي المؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات الاستخلاف في الأرض ويبدلهم من بعد خوفهم أمناً وإن أعلى ما تكون به طاعة الله في المجتمعات أن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذه سمة أهل الإيمان لأنه قال: وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً [النور:55] . فسمة المجتمع المسلم الذي وعده الله بإحلال الخيرات عليه وبدفع النقم عنه أنه يعبد الله وحده لا شريك له، يعبده ولا يشرك به، يعبده ويأمر بعبادته، ويأمر بذلك، وينهى عن ضده من الشرك بالله.

فما في بعض المجتمعات من الشرك بالله ومن منابذة أهل التوحيد ومن إعلان السماح للشرك بالله إن ذلك من أسباب حصول الويلات، ومن أسباب حصول التفرق والاختلاف ومن أسباب حلول الخوف وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً.

إن من أسباب حلول الخيرات أن يسعى الناس في الامتثال للكتاب والسنة ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون [المائدة:66] .

أيها المؤمن: إن صلاح المجتمعات، نعم يكون بصلاح الدول ويكون بامتثال الدول بأمر الله جل وعلا، لكن كما تكونوا يول عليكم، فإن بناء المجتمعات يكون من بناء خلاياها، وإن خلايا المجتمع إنما هي الأسر، إنما هي البيوت، فلو أصلح الناس بيوتهم، كل في شأنه، لو أصلحنا بيوتنا وسعينا بالنصيحة الشرعية الموافقة للكتاب والسنة فيما بيننا شيئاً فشيئاً لعم الخير ولقلّ الشر، وليس وعد الله جل وعلا فيما ذكرنا في الآيات يكون لمجتمع ليس فيه مخالفة وليس فيه معصية، وإنما هو لمجتمع الخيرُ فيه غالب، لأن الله جل جلاله وصف الإنسان بأنه ظلوم جهول فلابد أن تبقى هذه الصفة ولابد أن يبقى العصيان ليغفر الله جل وعلا للمستغفرين ولكي يتوب الله على التائبين وتظهر آثار اسمي الله: الغفور والرحيم لعباده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت