فهرس الكتاب

الصفحة 1711 من 9994

لكن وعد الله يكون للمجتمع الذي خيره غالب على شره، وصلاح ذلك نبدأه نحن، وإن من سمة بعض الناس أن يلقي باللائمة على من تولى الأمر، على الدول والحكومات، وينسى أن أولئك لم يجبروا الناس على شر وإنما الناس الذين أقبلوا على الشر فيما رغبوا به فيه، نعم اللوم على الطائفتين، ولكن الإجبار لم يحصل، وصلاح البيوت ممكن، وجهاد الشيطان وعد الله أهله بالخير العظيم، فإذا أخطأ غيرنا فهل يسوغ شرعاً أو عقلاً أن نلقي باللائمة على غيرنا، على ذلك الغير وننسى أخطاءنا إننا نرى أن في البيوت من الأخطاء ما نعلمه من تفريط في الواجبات، المساجد إذا رأيتها رأيت المصلين فيها من أبناء البلد قليلاً وأكثرهم من غيرهم، إذا نظرت إلى أحوال الناس في امتثال أمر الله وجدت أن الغفلة سيطرت على القلوب وتحكمت إلا فيما شاء الله حتى يرى المرء نفسه إذا أذنب كأنه لم يذنب، وإذا فرط في واجب كأنه لم يفرط في واجب، والله مطلع على العباد، والعبد إذا فعل غير الخير فعل الشر ولم يحس بفعله للشر وبفعله لغير ما يرضي الله فإنه متوعد بأن يسلب عنه ما أعطي إياه من الخيرات وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد [إبراهيم:7] . فإن الناس في أسرهم وفي قبائلهم وفي مجتمعاتهم إذا أصلحوا شيئاً فشيئاً فإن الخير يعم ونري الله جل وعلا من أنفسنا خيراً في الصلاح والإصلاح نصلح فيما بيننا، ونصلح فيما قد يظهر من الأخطاء في مجتمعاتنا، بالطرق الشرعية المرعية أما الرضى بغير ما يرضي الله فإن ذلك سبب لسلب الخيرات.

والله جل جلاله ضرب لنا مثلاً عظيماً في الذي أوتي الآيات فانسلخ منها وجعله مثلاً للقوم لا للأفراد ثم قال: فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون [الأعراف:176-177] . إن علينا أن نشعر أيها المؤمنون بمهمة الصلاح والإصلاح، وما من أسرة إلا وفيهم قدوة يقتدى به فإذا كانت القدوة غير صالحة أو كانت القدوة قدوة في غير تمام الخير أو في غير الخير من الشر، فأنى يرام الإصلاح، كذلك الأسر بعضها يقتدي ببعض، وحفظ النعمة التي بأيدينا ينبغي أن نتوجه بالتضرع إلى الله أولاً، في حفظها، وفي ثباتها، ثم أن نسعى جاهدين في طاعة الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته.

ثم تأمل أن من أعظم أسباب الفرقة والاختلاف التي ينتج عنها دخول المبادئ الهدامة ودخول الشهوات ودخول الشبهات تفريط بعض الناس بل تفريط الناس فيما أنزل الله جل وعلا وهم يعلمون ذلك قال جل وعلا: ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذ ُكّروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء [المائدة:14] .

نسوا حظاً مما ذكروا به فعاقبهم الله بماذا؟ عاقبهم الله بما وصف في قوله: فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة لأنهم فرطوا ولم يأخذوا بكتابهم ولم يطيعوا رسولهم، وتتابعت عليهم الأزمنة دون صلاح وإصلاح، ودون توبة وإنابة فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، وجعل لهم بعد الأمن خوفاً، فتفرقوا في البلاد شذر مذر، نسأل الله العفو والعافية.

أيها المؤمنون: إن من الناس من يحلو له أن يلقي باللائمة دائماً في أخطاء الناس وفيما يحصل من الشر من المجتمعات الإسلامية يلقي باللائمة دائماً على الحكومات والدول وعلى من ولي الأمور، وهذا ليس بصحيح مطلقاًً، فإن عليهم من اللوم وإن عليهم من الواجب ما عليهم، وقد فرطوا وعصوا في كثير ولكن الناس هم الذين قبلوا ذلك وأقبلوا عليه، فالإصلاح عند المصلحين يكون بالتوجه في إصلاح الناس في الدعوة، حتى يرفضوا الشر ويقبلوا الخير ثم يتوجهوا إلى من بيده الأمر في نصيحة شرعية صحيحة يقتفي فيها أثر السلف الصالح في ذلك، لأنه لن يصلح الله آخر هذه الأمة إلا بالذي أصلح الله به أولها.

أسأل الكريم أن يجعلنا من المنيبين حقاً ومن الصادقين مع ربهم جل وعلا، وأن يغفر لنا ذنوبنا وإعراضنا وأن يعفو عمن يذنب منا.

اللهم اغفر للمذنبين منا، اللهم اغفر لنا جميعاً، فإنا ظلمنا أنفسنا ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لنا مغفرة من عندك إنك أنت الغفور الرحيم.

واسمعوا قول الله جل وعلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] هو جزء من حديث عدي بن حاتم الطويل ، أخرجه البخاري [3400] وأحمد (4/257) بنحوه.

[2] أخرجه أحمد في الزهد من كلام وهب بن منبه.

الخطبة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت