فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وانظر إلى آثار كثيرة وأحاديث عديدة تبيّن لك أنك عندما تشتغل بالقران ؛ فإنما تشتغل بما اشتعل به الذين قد بلغوا الغاية العالية والمنزلة الرفيعة ، والقرب من الله - عزوجل - ففي البخاري ومسلم من حديث عائشة - رضّي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يقرأ من الليل ، فقال: يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطها من سورة كذا وكذا ، ولم يكن القارئ يقصد المراجعة ولا المدراسة مع النبي - صلّى الله عليه وسلم - فكيف بمن يقصد ذلك ترداداً وتذكيراً وحفظاً ومراجعة ومدارسة ، فهذا رجل دعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما أحيا وقته وأحيا بيت الله عزوجل بتلاوة القرآن ، قال: ( يرحمه الله لقد اذكرني كذا وكذا من سورة .. ) ، فما بالك بالقاصد المريد لترى حينئذ الفضل العظيم عندما تثني ركبتيك في حِلَق القرآن ، وعندما تطأطئ رأسك بين يدي حافظ القرآن الذي يعلمك إنك إنما تهبط إلى شرفٍ عظيمٍ ، وإنما تجلس في رتبة عليا ، فهذا ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول:"لقد أخذت من فم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضعاً وسبعين سورة والله لقد علم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم"، وهكذا يقول شقيق صاحب ابن مسعود - رضي الله عنه -:"فجلست في الحلق أسمع ما يقولون - يعني عن ابن مسعود - فكان القول ما قال - أي في علو منزلته وعلمه بكتاب الله عزوجل -"، وعن سليمان بن يسار - كما في مصنف ابن ابي شيبة - أن عمر - رضي الله عنه - انتهى إلى قوم يقرئ بعضهم بعضاً فلما رأوا عمر سكتوا ، فقال: ما كنتم تراجعون قال: كنا يقرئ بعضنا بعضاً ، قال:"اقرءوا ولا تلحنوا".
فلقد كانت سنة ماضية نحن على إثرها سائرون حلق ومدارسة وحفظ ومذاكرة ، فما أجلّها من متابعة ! وما أعظمها من موافقة ! وفي حديث مسروق عن عائشة - رضي الله عنها - عن فاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم - قالت: أسر إليّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ( أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة، وأنه عارضني الآن مرتين، ولا أره إلا قد حضر أجلي ) .
وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخاطب عبدالله بن مسعود بقوله:"اقرأ عليّ ، قال ابن مسعود متعجباً: أقرأ عليك وعليك أنزل ؟! قال: نعم ؛ فإني أحب أن أسمعه من غيري - فلا تستكثرن ذلك ولا تأنفن منه ولا يكونن أحد ممتنعاً أن يسمع القرآن ممن هو أدنى منه فقد طلب النبي - عليه الصلاة والسلام - ذلك من ابن مسعود - رضّي الله عنه - فقرأ عليه من أول سورة النساء حتى جاء إلى قوله عزوجل: { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيدٍ وجئنا بك على هؤلاء شهيدا * يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ولا يكتمون الله حديثا } ، قال: حسبك حسبك ، قال ابن مسعود فنظرت فالتفت إليه ؛ فإذا عيناه صلّى الله عليه وسلم تذرفان"، وفي حديث أنس المتفق عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبّي بن كعب: ( إن الله امرني أن أقرأ عليك القرآن ) ـ فانظر رعاك الله هذه المتابعة الشريفة والقدر العظيم ؛ فإن الوحي ينزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - بأن يقرأ القران على أبّي ، قال: أآلله سماني لك ؟! - هل الوحي نزل باسمي مخصوصاً ؟! - قال نعم ، قال: وقد ذكرت عند ربّ العالمين ؟! قال: نعم ، فذرفت عيناه ، وحق له - رضّي الله عنه وأرضاه - فاعلم يا حامل القران ويا طالبه ويا معلمه أنك في هذه المتابعة تنال أعلى أوسمة الشرف ، فدعك من سير الناس شرقاً وغرباً ... وحسبك أنك تسير على أثر محمد - صلى الله عليه وسلم - وتعمل عمل أصحابه وتجلس مجالس العالماء الصالحين وناهيك بهذا عزّاً وفخراً .
6 -الشرف والتقدم
فانت مقدّم في أعظم الامور وأشرفها ، فأنت المقدم في الصلاة ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله ) ، فهذه الصلاة التي هي أعظم العبادات ، وآكد الاركان ، وأكثرها تكراراً وكما أثر عن السلف انهم لم يكونوا يرون شيئا تركه كفر إلا الصلاة ومما يدل على هذا التقدم حتى بعد الموت ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - في دفن شهداء أحد فقد أخرج البخاري عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد ثم يقول:"أيّهم أكثر أخذاً للقرآن ؛ فإن أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد"، فحتى بعد موتك فأنت المقدّم ومهما كنت موصوفاً بنقص عند الناس ، فكتاب الله يذهب نقصك ويرفع قدرك ، وفيما رواه مسلم لما تسلية لك وذلك لما سأل عمر - رضي الله عنه - عامله على أهل مكة قال من خلفت على أهل مكة قال: ابن بزة ، قال: ومن ابن بزة ؟ قال رجل من الموالي فقال عمر ـ كالمتعجب أو المستنكر - استخلفت عليهم مولى ! فقال: إنه قارئ لكتاب الله ، فقال عمر: أما إن نبيك قال: ( إن الله ليرفع بهذا القران أقواما ويضع آخرين ) .