فهرس الكتاب

الصفحة 1977 من 9994

#الأم المربية

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

الأم المربية مصدر قوةٍ مؤثرة ، ومكمن تغييرٍ عظيم ، ومصنع تربيةٍ للأجيال ..

الأم المربية في واقع أمتنا الإسلامية اليوم قضيةٌ مهمة وجودها على الصورة المنشودة ، والمنهج المطلوب يعد مفتاح التغيير الإيجابي المنشود .

إن أهمية الأم المربية لا تقل - بل ربما تزيد - عن أهمية الجيوش العسكرية المدججة بالسلاح ، وأهمية إصلاح مناهج التعليم ، وتهذيب وسائل الإعلام ؛ لأن قوتها التأثيرية تستطيع أن تواجه كل ذلك ، وتستطيع - بإذن الله سبحانه وتعالى - أن تنتصر على كل ذلك إن كان مناوئاً لدينها وإسلامها .

وديننا العظيم ونهجنا الإسلامي القويم أعطى لهذه المهمة أولويةً عظمى ، ووفّر لها جميع الأسباب التي تعين على حسن أدائها ، واستمرار رسالتها ، ودوام عطائها ؛ لتكون المجتمعات مجتمعات إيمانٍ وإسلام من قعر البيوت .. من ثدي الأمهات .. من رحم المنجبات ؛ ليخرج حينئذٍ الجيل المؤمن في قلبه ويقينه ، ولتخرج الأيادي المتوضئة ، والجباه الساجدة .. تواجه كل فسادٍ وانحرافٍ يمكن أن تعج به المجتمعات .

ووقفتنا الأولى ومضة سريعة في المكانة والأهمية التي جعلها إسلامنا للأم ولدورها الرائد في التربية:

قال تعالى: { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً } . وقال تعالى: { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } .

قال ابن عطية في تفسيره:"ذكر الله الأم في هذه الآية في أربع مراتب ، والأب في مرتبة واحدة ، وجمعهما الذكر في قوله تعالى { بوالديه } ، ثم ذكر الحمل للأم ، ثم الوضع لها ، ثم الرضاع الذي عبر عنه بالفصال ، وهذا يناسب ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل للأم ثلاثة أرباع البر ، ووللأب الربع ، وذلك حين جاءه الرجل فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال: أمك ، قال: ثم من ؟ قال: أمك ، قال: ثم من ؟ قال: أمك ، قال: ثم من ؟ قال: أبوك ."

وهذا أمرٌ بينٌ واضح ، ودورٌ فطريٌ خلقيٌ ، أراده الله عز وجل لكمال البشرية ، ولحسن انتظام الحياة في هذه الدنيا .

وروى الترمذي أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله إني أصبت ذنباً عظيماً ، فهل لي من توبة ؟ فقال له رسول الله عليه الصلاة والسلام: هل لك من أمٍ ؟ قال: لا ! قال: هل لك من خالةٍ ؟! قال: نعم ! قال: فبرها . أي ذاك طريق توبةٍ وتكفير ذنبٍ .

ومن أظهر ذلك وأبلغه ما رواه أنسٌ رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال: يا رسول الله إني لأشتهي الجهاد ولا أقدر عليه - أي ربما كان من أهل الأعذار - فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل بقي من والديك أحد ؟ قال: أمي ! قال: ( قابل الله في برها ، فإذا فعلت ذلك فأنت حاجٌ ومعتمرٌ ومجاهدٌ ؛ فإن رضيت عنك فاتق وبرها ) ذكره الهيثمي في المجمع ، وقال رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط والصغير ورجالهما رجال الصحيح ، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ، وقال: إسنادهم جيد .

ومثل ذلك وأظهر منه حديث معاوية السلمي رضي الله عنه ، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو منطلقٌ - فقلت: يا رسول الله إني أريد المسير معك للجهاد ابتغاء وجه الله والدار الآخرة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو يعلم أن له أماً تحتاج إليه - ارجع إلى أمك فالزمها ، قال: فجئته من قبل وجهٍ آخر ، فقلت: يا رسول الله إني أريد المسير معك للجهاد ابتغاء وجه الله والدار الآخرة ، فقال: إلزم أمك ، فقلت له ثالثةً ، فقال: ويحك الزم رجلها فثم الجنة .

رواه النسائي وابن ماجة في سننهما بسندٍ صحيح وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي .

ذلكم أن الجنة تحت أقدام الأمهات .

وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر ، فقال في سياق حديثٍ طويل: ( ودخلت الجنة فسمعت فيها قراءةً ، فقلت: قراءة من هذه ؟ فقيل لي: قراءة الحارث بن النعمان ، فقال: كذلكم البر .. كذلكم البر ، فكان الحارث من أبر الناس بأمه ) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي .

ومن هنا ندرك أن هذا المقام الجليل ، والمكانة الرفيعة ، والوجوب الشرعي لبر الأم إنما هو تقدير لدورها العظيم ، ورسالتها السامية ، واعترافٌ بأثرها البليغ في قوة الأمة ومتانة أجيالها ، وصنع أسباب المناعة والحماية والوقاية من الآثار السيئة ، ومن الشرور والأضرار الوخيمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت