فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولذلك أي شيءٍ يمكن أن يلفت النظر إذا رأيت ذلك الشاب التقي النقي الورع ، أو حتى رأيت ذلك الرجل العالم الداعي المصلح .. إن كثيراً من الناس يفكرون في جهده وتعليمه وشيوخه ، وينسون أن الأصل الأول ، وأن البصمة الأولى ، وأن البداية والانطلاقة إنما كانت من أمٍ مربية ..
خذوا كل من تشاءون من أمثلة الأئمة والعلماء في التاريخ .. نقبوا في صفحات حياتهم ، ارجعوا إلى أيام طفولتهم سترون وراءهم أماً عظيمةً مؤمنةً مربية .. سفيان الثوري ، إمام التابعين ، وعلم المحدثين ، ورمز الزاهدين ، ربّته أمه قالت له:"يا بني أطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي"كان أبوه ميتاً ، فجعلت عملها لكي تفرغه لطلب العلم ، كانت تعلم ما الخير وما الأفضل والأمثل ، ما الذي ينبغي أن تنشئ عليه صغيرها ، ما الطريق الذي ترسم له مساره فيه وتدرج به في خطواته الأولى عليه وتقول - وقد كانت تتخوله دائماً بالوعظ والتوجيه وهو في نعومة أظفاره - كانت تقول له: يا بني إذا كتبت عشر طرقٍ - أي من الحديث - انظر هل ترى في نفسك زيادةً في خشيتك وحلمك ووقارك ؛ فإن لم يزد ذلك فاعلم أنه لا يضرك ولا ينفعك"، تريد أن تلقنه أن العلم إنما يكون للعمل ، وأن أثر العلم ينبغي أن يستقر إيماناً وتقى في القلب والنفس ، وأن ما لم يكن ذلك كذلك فلا نفع ولا جدوى ، بل ربما يكون ضررٌ وإثمٌ إذا قدر الله .. أليست هذه الأم كانت أياديها التربوية ومنهجيتها التعليمية هي البداية لذلك الإمام الجليل والعالم العظيم !"
انظروا إلى الصحابيات من الأمهات المربيات كيف كان الأثر يغرس منذ نعومة الأظفار بذرة إيمانٍ في سويداء القلوب ، وسمات أخلاقٍ في أعماق النفوس .. الربيع بنت معوذ رضي الله عنها تقول: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء ، فقال: من كان صائماً فليتم صومه ، ومن لم يصم فليمسك - أي عندما بدأ بأمره أو توجيهه عليه الصلاة والسلام لصيامه - قالت: فكنا بعد ذلك نصومه ونصوّم أبناءنا - أي الصغار - فكنا نصومهم ونأخذهم إلى المسجد ، ونأخذ معنا لهم اللعبة من العهن ؛ فإن بكى أحدهم لهيناه بها حتى يتم صومه ويؤذن المغرب .
تلك هي التنشئة ، وتلك هي ملامح ومعالم التربية أخرجت جيل الأتقياء الأصفياء .. جيل لمجاهدين الأعزاء ، أخرجت جيل العلم والعلماء .. ويوم افتقدنا هذه الأم المربية ، ويوم خرجت إلى الأسواق لاهيةً عابثة ، ويوم شغلت بالأعمال وخلفت وراءها أبناء وبناتٍ ليس لهم من يرعاهم ولا يربيهم .. خرجت لنا أجيال لم يعد لها حظٌ من سمة الإيمان ، وصفة الإسلام ، واستغربت في فكرها ، وامتهنت في شكلها وهيئتها ، وذلّت في عزتها ، وضعفت في إيمانها .
ولعلي أمضي بكم إلى ساحةٍ أخرى أريد منها أن نؤكد أن هذا المعنى مهمٌ ومعترفٌ به حتى عند غير المسلمين من العقلاء والحكماء ؛ لأن بعضاً من أبناء جلدتنا قد التوت أعناقهم ، فلا يرون إلا جهة الغرب ، ولا يرون إلا المجتمعات المتحضرة - كما يقولون - وربما لا تكاد آذانهم تصغي أو تسمع إلا لقول أولائك ، ولا ترى النموذج والقدوة إلا في أفعالهم وأحوالهم، أما وقد أصبح ذلك حال بعضهم فلا حرج أن ننقل لهم أقوال القوم وأحوالهم ؛ لنريهم بعض ما يعيدهم إلى رشدهم وصوابهم ..
هذه كلماتٌ ومواقف ينبغي أن نلتفت إليها ، وسأذكر من بعد منهجاً عظيماً نحتاج إليه وإلى التذكير به .
أول ذلك ما ذكرته زوجةٌ لأحد رواد الفضاء الأمريكيين السابقين - وقد كانت ربة منزلٍ ، ليست موظفةً ولا عاملة وإنما مهنتها كما نكتب في مهن بعض أزواجنا"ربة بيت"وبعض نساءنا اليوم تطأطئ رأسها خجلاً إن سئلت: ما هو عملكِ ؟! وكأن هذه المهمة أصبحت شيئاً يستحيى منه ، أو مرتبةً لا تريد المرأة أن تكون فيها ! مع أنها أسمى المراتب وأعلاها ، وأعظم الوظائف وأكثرها أهميةً وجدوى حتى من الناحية الاقتصادية - تقول هذه المرأة الغربية:"أنا مسرورةٌ جداً من بقائي في البيت إلى جانب زوجي وأطفالي ؛ حتى في الأيام العصيبة التي كنا فيها في حاجةٍ إلى المال لم يطلب مني زوجي أن أعمل ، وكانت فلسفته أننا نستطيع أن نوفر حاجاتنا الضرورية ، إن قلّ المال لا تأكل هذا النوع وكُل هذا ، ولا تركب هذه السيارة واركب هذه ، يمكن تدبير الأمور .. ولكننا لا نستطيع أن نربي أبناءنا إذا أفلت الزمام من يدنا".
ما هو البديل إن لم يكن في بيتك أمٌ مربية ؟ البديل خادمةٌ لم تحمل هذا الطفل في رحمها ،ولم تعاني في ولادته ، ولم تكن يوماً مرضعته ، ولا يهمها شأنه ، ولا يعنيها مستقبله ، ولا تنتمي إلى مجتمعه - بل ربما لا تنتمي إلى دينه ومعتقده - أو ما هو الحل الآخر: أن يسرح الأبناء إلى مؤسساتٍ هنا أو هناك كما هي في مجتمعات الغرب ، تكون كما يقول الرافعي رحمه الله:"للعشرين منهم أمٌ واحدة"أي موظفة ليست أماً فلا تعطيهم شيئاً من معاني الأمومة ؛ فضلاً أن تمنحهم شيئاً من معالم التربية .