فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال: أحكم بأن يشق نصفين ، فتعطى كل واحدة نصف ، ولم يكن يريد أن يكون هذا حكماً منفذاً لكنه عندما قاله قالت إحداهما: لا تفعل هو لها - وهي أمه - فهل أقرت بهذا على أن تلك أمه ؟ كلا ! بل حكم لها بأن تأخذ هذا الابن ؛ لأنه أثبت أن رحمتها به آثرت حياته ولو كان بعيداً عنها ، ولو كان عند غيرها ، فأيقن أنها أمه .. هذه الصورة من الرحمة والعطف والحنان كيف ينشأ الأطفال إذا حرموا منها ؟ لماذا تشكوا المجتمعات الغربية اليوم ممن يسمونهم"التين آجرز"الذين هم أبناء ما فوق العاشرة والعشرين ؟
لماذا ترون هناك أبناء الخامسة عشر وهم ينفذون جرائم قتلٍ كاملة ؟ إنهم لم يجدوا حناناً ولا عطفاً من الأم ، عاشوا في بيئةٍ صحراوية من المشاعر والعواطف ، عاشوا في بيئةٍ ليست مستقرة في ظلال الأسرة الوارفة ، فخرجوا إلى المجتمع أشراراً لا يبغون فيه إلا فساداً ، وانظروا إلى الصبر والاحتمال وهو من الطبيعة النفسية عند المرأة على الصغار - كما قلت من قبل - هذه أمه طفلٌ ترضعه ، وآخر يحبوا تنتبه له ، وثالث يدرج توجهه ، وتعيش في هذه المملكة ما لو عاشه الرجل - كما قلت - ساعةً واحدة لكاد أن يساق إلى مستشفى المجانين ، كيف ذلك ؟ لأن الله جعل لها صدراً رحباً ، واحتمالاً عظيماً في هذا الباب ليس له نظير .
والأمر الثاني وهو مهمٌ كذلك: طبيعة الاستقرار في المرأة
والقرآن العظيم والمنهج الإسلامي القويم يتطابق مع أصل الخلقة والفطرة ، قال تعالى: { ألم نخلقكم من ماءٍ مهين * فجعلناه في قرارٍ مكين } ، قرار الرحم يستقر فيه كل واحدٌ منا قد استقر فيه تسعة أشهر ، هل لأحدٍ منكم أن يقول - أو أن يدعي - أنه لم تكن له أمٌ حملته ووضعته وأرضعته وغذته ورعته وربته ؟!
هذا الاستقرار هو من طبيعة المرأة ؛ ولذلك حتى المرأة العاملة هل تبقى في البيت وقتاً أطول من زوجها أو لا ؟ لأن في طبيعتها الاستقرار ؛ ومن هنا جاء التوجيه الرباني ، قال تعالى: { وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } ليس ذلك تحريماً للخروج أو للعمل في صورته وصيغته الشرعية ! ولكنه ذكرٌ للطبيعة المناسبة للمرأة تغليباً .
ولذلك أنظروا إلى الرجال ألا ترونه في أيام العطل والإجازات إذا بقي في بيته لم يستطع أن يبقى إلا جزأً من الوقت ثم يخرج ؛ لأنه ليس من طبيعته الاستقرار ، بل هو متنقلٌ مرتحلٌ عاملٌ متغبرٌ .. هذه طبيعة الكبد والكدح والسير في هذه الحياة ، قال تعالى: { قل سيروا في الأرض } وهذا ضربٌ آخر يتناسب مع الرجل ، فإذاً طبيعة القرار والاستقرار جعلها الله لتكمل بها هذه الحياة .
وأخيراً: القرب والملابسة
من الأقرب إلى الأبناء ؟ بل من الأقرب إلى الأزواج ؟ من الأعرف بطبائعهم ؟ من الأقدر على اكتشاف أسرارهم .. أليست الأم التي تعرف ماذا يحب هذا وماذا يحب ذاك من الطعام والشراب ؟ أليست هي التي تغسل الملابس وتعرف ما قد يكون فيها ؟ أليس الأبناء - حتى أحياناً وإن كبروا - يسرون بأسرارهم ومشكلاتهم إلى أمهاتهم ، لماذا ؟
لأن هذه طبيعةٌ حانية ؛ ولأنه استقرار في كل وقتٍ يجده ، يبحث عن أبيه فمرةً في شرقٍ ، ومرةً في غرب ، وإذا كلمه وجد صرامة الوجه ، وتقطب الجبين والشدة التي يعرفها لا يتناسب ذلك لا يعني ذلك أنه ليس للأب دور في التربية ولكننا نذكر الدور الأساسي في المراحل الأولى ، وتبقى للأم أدوارٌ مستمرة فكل رجلٍ مهما بلغ من الكبر فهو طفلٌ عند أمه ، لا يكبر الإنسان على أمه هذه التربية هذه الأم هذا الدور لا بد أن نعنى به ، وأن نحرص عليه لنؤمل بيوتنا ، ولنعد أجيالنا نسأل الله عز وجل أن يحفظ نسائنا وزوجاتنا ..
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زادٍ يقدم بع العبد على مولاه .
وإن من الأمور المهمة العناية بدور الأم وتربيتها لأبنائها ؛ ولعلي أشير هنا إلى إشاراتٍ لا بد من ذكرها والتنبيه والتعويل عليها:
لفت نظرٍ إلى الأمهات العظيمات المربيات في أرض فلسطين .. ما الذي أخرج لنا هذا الجيل من الشباب الصغار في مقتبل العمر ، يكشفون صدورهم للرصاص ومدافع الدبابات وقصف الصواريخ ، وهم يبتسمون ويجددون قول أسلافنا"الله أكبر فزت ورب الكعبة"؟!
ثم نرى من بعد الأم وهي تقول:"لا تعزوني ولكن هنئوني بشرف استشهاد أبناءي"، ألم نرى ذلك ؟ ألم نعرف أن هذه القوة التي تواجه اليوم ألد أعدائنا وأحقرهم وأذلهم من اليهود - عليهم لعائن لله - إنما كان الدور العظيم بعد فضل الله عز وجل وأدوارٍ أخرى لأولئك الأمهات ..
ألسنا نعرف أن قوة الإنجاب وكثرته في أرض فلسطين أحد الأسلحة العظيمة التي تقلق أعداء الله عز وجل ، ثم يقال لنا قللوا نسلكم وأخرجوا نسائكم وضيعوا أجيالكم ومن بعد سوف تضيع كلمتكم وتذهب ريحكم ..