فهرس الكتاب

الصفحة 1985 من 9994

#الأمة في مواجهة الغمة

الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الاخوة المؤمنون:

أحوال عصيبة وظروف رهيبة تحيط بأمتنا في هذه الأيام ، ونحن نقف هذه الوقفة مع الأمة في مواجهة الغمة ؛ ولعلنا نرى صوراً محزنة ، إذ نجد أن الأمة في مجموعها كأنها لا تملك من الأمر شيئاً ! وكأن الحال كما قال القائل:

ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود

ونرى أن الآراء مازالت متباعدة ، وأن الأفكار مازالت متباينة ، وأن الوحدة مازالت بعيدة ..

ومن جهة نرى صوراً من زيغ الفكر ، وضعف اليقين ، وانحراف السلوك ، بل نرى حقيقة النفاق والممالأة والمصانعة التي تزيد الأمة ضعفاً ووهناً ، والتي تزيد أعداءها تسلطاً وتمكناً .

وما من شك أن كل أحد منا عليه واجب ، وفي عنقه مسؤولية ، ليست المهمة قاصرة على دولة أو أخرى ، أو حاكم أو عالم أو مؤسسة ، بل كل أحد في عنقه أمانة ، وعلى كاهله مهمة ، ومن ثم ؛ فإننا ينبغي أن نعيد القول ونكرره ، وأن نعاود المدارسة والمذاكرة في أحوال أمتنا التي هي في حقيقة أمرها مجموع أحوالنا .

وإذا أردنا أن نقول ، وأن نؤكد هذه المعاني ، فينبغي لنا أن نكون صرحاء لا نستخدم التعمية الإعلامية ، ولا الألاعيب السياسية ، ولا المداهنات والمنافقات التي نجدها ، ليس في حياة الأمة على مستوى الدول والحكومات بل على مستوى الأفراد والتجمعات ، لابد أن نكاشف أنفسنا من خلال أنوار اليقين في كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .. لابد أن نكتشف خللنا وعيوبنا من خلال النظر في سنن الله - سبحانه وتعالى - الماضية التي قرأناها ونقرأها في صفحات التاريخ الغابرة ، ونشاهدها ونراها في الوقائع المعاصرة .

وعندما نكون كذلك وربما يكون هذا أول الطريق ، وطريق للإصلاح ، ولا يمكن أن نتصور أن يكون طريقاً قصيراً ينتهي في غمضة عين وانتباهتها ، أو في أيام قلائل ، أو أعوام يسيرة ، ولا يمكن كذلك أن نعتقده طريقاً سهلاً مذللاً معبداً مفروشاً بالورود ! بل فيه عقبات عظيمة ، وهوائل جسيمة ، وفيه ابتلاءات ومحن وفتن لا يصبر لها ولا يجتازها إلا الخلص من المؤمنين الصادقين ، والملمين المستسلمين لرب العالمين ، وهذه وقفات كلية جامعة في الأمور المهمة لمواجهة هذه الملمة:

أولا: الإيمان واليقين

وقد نكرر القول ونزيده ، وليس في ذلك من ترف ولا سرف ، ولا شيء مملّ ، بل هو عين اليقين ؛ لأن ثوابتنا لا تتغير ، ولأن أسس ومناهج الحل والتغيير لا تتبدل ، ولأن بين أيدينا كتاب: { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [ فصلت:42 ] .

وسنة هي وحي يوحى من رب العالمين ، ونحن قد قلنا في حديثنا عن القرآن - ولعل هذا الحديث يعد موصولاً به - إن واجبنا نحوه حسن فهمه ، وقوة اليقين به أن يحسن التدبر والتأمل والتفكر والمعرفة والعلم والتعليم لكتاب الله عز وجل ، وأن نرسخ الإيمان واليقين بكل حقائقه ، وبكل وعوده ، وبكل سننه ، وبكل أوامره ، وبكل نواهيه ليس شيء يندّ عن شيء: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } [ البقرة: من الآية85 ] .

ذلك صفة أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا ، والذين كان إيمانهم زائغاً ، بل لم يكن إيماناً حقيقياً البتة !

الإيمان واليقين .. { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } [ غافر:51 ] .

هل ثمة يقين بهذا ؟ وهل هو يقين راسخ ؟ وهل له أثر في الواقع ؟ أم أنه يمر على أطراف الألسنة ، وتكاد تنكره العقول ، وتكاد تتجافاه أو تتعافاه النفوس ، والله - جل وعلا - يقول: { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الروم: من الآية47 ] .

القائل رب الأرباب ، ملك الملوك ، مَن بيده ملكوت كل شيء ، مَن إليه يرجع الأمر كله ، وبيده الأمر كله ، ويقول - جل وعلا - متفضلاً ممتناً ، وهو المستغني عن الخلق والعباد يوجب على نفسه حقا: { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الروم: من الآية47 ] .

أفيكون الحق الذي أوجبه الحق على نفسه باطلاً ؟ حاشا لله جل وعلا !! ومن كان في نفسه ذرة شك في ذلك فليرجع إيمانه ويقينه ، وليتفقد إسلامه وحقيقة دينه ؛ فإن الأمر عظيم والخطب جليل:

{ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } [ الصافات:،172،171،173 ] .

ما بال النصر لا تخفق راياته ؟ ما بال جند الإسلام لا يظهر علوهم ولا تبدوا غلبتهم ؟ هل في ذلك شك مما جاء في كتاب الله ؟ أم أن ثمة ضعف في اليقين وقبل ذلك كذلك مخالفة لشروط ذلك النصر؟

{ فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } [ هود: من الآية49 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت