فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولننظر إلى وقائع هذا اليقين - ليس في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، بل في النخبة والصفوة الذين رباهم عليه الصلاة والسلام - في يوم الأحزاب - يوم الشدة - وقد كررنا المثل ؛ لأننا نمرّ بذات الحالة ، ولأننا نراهم يتداعون علينا ، ولأن الجيوش والجنود تحيط من كل جانب ، ولأن الأحزاب تتحزب وتتألب ، ماذا قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
{ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً } [ الأحزاب: من الآية22 ] .
ويوم قال لهم القوم:"إن الناس قد جمعوا لكم"ذكرت لنا الآيات: { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } [ آل عمران:173 ] .
ولم يكن ذلك في عهد الأصحاب فحسب ، بل تاريخنا ينطق بذلك ، وقد أسلفنا القول فيه ، ألم يقل ابن تيمية في معركة شقحب عام اثنين وسبعمائة ، بعد سبعة قرون من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبشر الناس ويثبتهم:"والله إنكم لمنصورون"فيقولون: قل إن شاء الله ! فيقول:"إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً"؛ جزما بما يرى من اليقين ، وما يظهر من الإيمان ، وما يبدو من سمت الصلاح والاستقامة ، وذلك الذي نريد .
وانتبه إلى هذا ؛ فإنه هو الذي يثبتنا بإذن الله - عز وجل - إن هذا الإيمان واليقين يثبت لنا ويعطينا عدة أمور مهمة:
أولها: الإدراك والوعي والفهم
الذي ندرك به الحقائق ؛ لإنه إن كانت للباطل جولة - بل وألف جولة - فإن جولة الحق آخرها ، وإنها جولة إلى قيام الساعة ، وإننا لندرك حينما نكون على هذا الإيمان واليقين سنة الإبتلاء: { مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْب } [ آل عمران: من الآية179 ] .
غيب الله فيه حكم ، وفيه ابتلاء عندما نكون موقنين ندرك أن هذه من صفحات الابتلاء تنقلب ويأتي بعدها النصر والرخاء: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرا } [ الشرح:5،6 ] .
وكذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } [ محمد: من الآية4 ] .
أفهذه القوى عزيزة أن تهزمها قوة الله جل وعلا؟ كلا ! إن رعبا في القلوب ، إن خلفاً في الصفوف ، إن ريحا تهب ، إن أرضاً تتزلزل ، إن بحراً ينشق ، إن أدنى شيء مما يجريه الله - عز وجل - يدمر كل تلك القوى ، ولكنها حكم الله - عز وجل - ينبغي أن نتأملها في الآيات والأحاديث والسنن .
ويأتينا من بعد ذلك: الثبات وعدم التراجع
وهو أمر مهم ، لا يثبت إلا مستيقن ، ولا يقف ولا يمضي في طريقه شامخ الرأس إلا مؤمن معتز بإيمانه ، ولذلك لا تستغربوا عندما ترون المواقف المخزية ؛ لأنها ليس لها رصيد من إيمان ، ولا أساس من يقين ، فأنّى نرتقب ممن خلت قلوبهم من الإيمان ونفوسهم من اليقين أن يقفوا مواقف عزة ، أو أن تكون لهم في المواجهة قوة !
ذلك تفسير واضح بدهي من خلال الفقه الإيماني في آيات الله سبحانه وتعالى.
والثالث: وهو الرجوع والالتجاء إلى الله
إن من عرف الخلل أدرك أنه لابد من الإصلاح بالرجوع إلى الله { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ } [ الذريات:50 ] .
كل شيء تخافه تفر منه إلا الله ، إن خفته فررت منه إليه ، لا ملجأ ولا منجأ لنا منك إلا إليك .
وعجبا يرى المرء هذه الأحوال العصيبة ، وما زال الفن رافعاً راياته ، والرقص ضارب دفوفه ، وما زالت الأمة كأنما هي نائمة نوماً لا تستفيق منه ، متى سيستيقظ أولئك الغافلون ؟ هل إذا طرقت أبوابهم؟ هل إذا وقعت السقوف فوق رؤوسهم ؟ هل إذا أصابتهم البلية في أنفسهم وأزواجهم وأموالهم ؟ هل بعد هذا كله ليس هناك مدكّر ولا معتبر ولا منزجر ولا راجع إلى الله سبحانه وتعالى ؟
ومن بعد ذلك: الثقة والقوة
ثقة بالله وقوة بقوة الله عز وجل ؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا به سبحانه وتعالى.
الأمر الثاني: الإصلاح والاستقامة
وهو أمر بدهي ، ونتيجة تلقائية للإيمان واليقين ، ألم نقل إنه يجعلنا نعي وندرك ؟ ألم نقل إنه يجعلنا نرجع ونلتجئ ؟ ألم نقل إنه يجعلنا نثق ونتقوى بالله ؟ إذاً أصلح حالك وحال أهلك ، وحال مجتمعك .. أصلح قلبك ونفسك ، أصلح فكرك وعقلك ، أصلح منطقك وقولك ، أصلح حالك وعملك يصلح الله - عز وجل - كل شيء من حولك ، وقد جعلها الله - عز وجل - أسبابا منوطة بأخرى: { إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ } [ محمد: من الآية7 ] .