فهرس الكتاب

الصفحة 2026 من 9994

وإذا التفتنا إلى حال فئة من المسلمين فإن الغلو في الذكر والتسبيح والتعبد أوجد ثقافة هشة تتخذ من الذكر ستارا للكسل والهروب من مسئولية تعمير الأرض، ومباشرة نشر الخير، وإعمال الرأي وهذا ينافي الإسلام ويجافي عقيدته السمحة التي جاءت لنهضة القلوب ويقظة العقول وتعميرها بأنوار العزيمة والصبر والعلم النافع والعمل الصالح والإيمان الراسخ.

إن التدين الكاذب ربط ذكر الله بالخمول والطلاسم ... رغم أن الذكر في حقيقته يسير عكس ذلك تماما فذكر الله بأسمائه الحسنى تحرير للعقل والقلب من الوهم والتصورات القاصرة كما أن المتشبث بالذكر الصحيح لا يستسيغ فكرة تغييب العقل والإغراق في مصطلحات تفسد صفاء الدين وبهاء التوحيد.

تشير نتائج الدراسات إلى أن الكثير من المدارس في الأقطار الإسلامية في الماضي"اهتمت بالعلوم الشرعية وخصوصاً القرآن الكريم ولم يكن منها للمهن المختلفة وهذا يعني عدم معرفة مقاصد الدين الإسلامي الذي ربط الدين بالحياة، والدنيا بالآخرة" (الحجار، 2003 م) . مع الإسلام دين عمل ونشاط وتعمير.

الله سبحانه هو الْعَلِيمُ الذي أعلى من شأن العلم حتى قال الشافعي العلم نور ثم ها نحن نعيش في دياجير الظلمة بعيدا عن التنافس الحضاري بين الأمم المتمدنة.

يقول حاج محمد النخعي هو أحد رموز العمل الإسلامي، ويرأس مؤسسة الدعوة الإسلامية الماليزية"وحين كنت أقرأ في التراث تعجبت من وجود مجلدات عن العبادات الخاصة من الطهارة والصلاة والزواج.. ولم تكن هناك كتب متوفرة عن الحضارات والعلوم الإنسانية والكونية.. لقد ركزوا اهتمامهم على الاستعداد للموت دون الاستعداد للحياة".

إن الإيمان الخالص قوة عظمى لإنتاج الخير بكل صنوفه ولهذا فإن الإسلام يرفض تلك الاحتفالات الدينية التي تتخذ من الذكر والتسبيح والتهليل سلعة لتخدير العقول وعزلها عن الإبداع الثقافي والشهود الحضاري. والإسلام يوجه الأنظار والأفكار معا نحو الإحسان إلى الناس جميعا، فخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ كما في الحديث النبوي الشريف، فكل مجهود يبذله الإنسان لتحصيل منفعة مشروعة للآخرين هو عمل نبيل يحبه الله إذا كان مخلصا.

"وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمُتَعَدِّيَةَ إلَى الْغَيْرِ أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرَةِ ؛ لأَنَّ خَيْرَ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ فِي الْهِدَايَة إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَالتَّعْلِيمِ لِمَا يُصْلِحُهُمْ ، وَالْعَطْفِ عَلَيْهِمْ ، وَالتَّرَحُّمِ ، وَالإِنْفَاقِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِ الْخَلْقِ وَنَفْعِهِمْ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ عِلْمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ إشَارَةٍ أَوْ نُصْحٍ أَوْ دَلالَةٍ عَلَى خَيْرٍ أَوْ إعَانَةٍ أَوْ شَفَاعَةٍ وَغَيْرِهَا مِنْ الإِحْسَانَاتِ الأُخْرَوِيَّةِ ، وَالدُّنْيَوِيَّةِ ،" (الخادمي، باختصار وتصرف) . وَقَالَ الشافعي": طَلَبُ العِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَةِ النَّافلَةِ" (الذهبي) .

إن مجالس الذكر الحقة هي التي تشحن الناس بالطاقة لحب الله والإحسان لمخلوقاته وتقديم صورة براقة عن الدين الذي أعلى من شأن التقدم والتنوير والتفكير والتدبير وأعطى الإنسان قدرة عظيمة للإحسان. قال أبو العَتاهِيَة (130 - 211 هـ / 747 - 826 م) :

الخَلقُ كُلُهُمُ عِيا لُ اللَهِ تَحتَ ظِلالِهِ

فَأَحَبُّهُم طُرّاً إِلَي هِ أَبَرُّهُم بِعِيالِهِ

إن التدين المنحرف أنتج فئة من المسلمين تتصرف بتَعَسّف دونَ تَفْكِيرٍ وَلاَ رَوِيَّةٍ، ومغرمة بالرقص من أجل الفناء في ذات الإله والسكر في حبه كما يزعمون في رموز الخمريات الصوفية فاستحدث الأولياء كما يقولون فكرة إحياء الموالد، وتجديد الأحزان، وترديد أسماء الله تعالى عند القبور وغيرها بطريقة لا تخلو من العقد النفسية، والتجاوزات الدينية لتزيد الناس بؤسا على بؤس مما يقودهم إلى مأزق الهروب من التبصر بواقعهم الأليم الذي يعج بالأمية ، والأمراض، والفقر، والبدع، والتلوث وَاتَّبَعُوا في ذلك كله مَن لَّمْ يَزِدْهُ فكره وعمله إِلا خَسَاراً وَاِنْسِحاباً.

لما نصر على أن نكون مع زمرة الذين قيل عنهم"وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ" (البقرة102) . إن الأمية بكافة أنواعها مصيبة وعندما نبررها باسم العبادة ونمارسها طواعية - بلا خجل أو وجل- تكون المصيبة أعظم لأنها أصابت الجذور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت