فهرس الكتاب

الصفحة 2030 من 9994

وظيفة المعلم إزاء تعميق أسماء الله الحسنى في سلوك الناشئة وظيفة عظيمة فالمعلم الجيد هو الذي يردد ويعدد أمامهم بعض تلك الأسماء ويربطها في عملية حب العلم، ونفع الناس، والعبادة، ورعاية الانجازات البيئية، والثقافية ، والاجتماعية ، والفكرية فتتجلى قوة استثمار الطاقة والموارد كما أراد المولى سبحانه. هذا من شأنه إيجاد العالم المسلم الباحث الذي إذا استعسرت عليه مسألة في مختبره ، أو استشكلت معه قضية علمية اجتهد الاجتهاد كله ولجأ إلى الفتاح العليم الوهاب الرزاق العظيم القوي المعطي كي يرزقه معرفة نافعة، وكذا القاضي والعامل والمزارع والصانع إذ كربه أمر فزع إلى أسماء الله الحسنى يستمد منها الصبر والمدد والفرج والعون والبركة فالله هو الكريم القريب الودود اللطيف الصمد المقيت المجيب العلام الوكيل. ولقد كان سلفنا الصالح يطبق تلك المفاهيم التربوية عمليا فجاءت مشاريعهم الطبية والقانونية والفلكية والجغرافية والتاريخية فتوحات ربانية أفادت البشرية. هكذا كان ابن سينا، وأبناء شاكر، وجابر بن حيان وغيرهم ممن أنجبتهم الحضارة العربية الإسلامية.

يفسد الاستبداد السياسي الحياة المجتمعية ويقلص من فرص الإبداع والانجاز ودور التربية السياسية أن تحد من غلو الفرد وتكبح الأنانية ولا يتحقق ذلك إلا بأفراد يؤمنون بأن الرزق بيد الله وحده وأنه هو لا سواه الجبار القاهر المتكبر وليس لبشر أن يلبس رداء التفرد. الحاكم والمحكوم يحتاجان إلى أخلاق تقيهما من مصارع السوء ومن الآليات الكفيلة بحسن العلاقة بين الطرفين التربية الواعية التي تأخذ بيد الحاكم كي يكون عادلا يصون حريات الناس ولا يهضم حقهم في المشاركة في إدارة شئونهم بالقسط. وكذا المحكوم يكون حليما في كل الأوقات لا سيما في الأزمات ويسعى دائما إلى الله الحكيم العليم الخبير لإصلاح شئونه بالحكمة دون أن يهاب سلطانا أو ملكا أو أميرا فلا يداهنهم في ممارسة الحقوق وأداء الواجبات.

المعلم الناجح يتخذ من أسماء الله الحسنى مستودعا لنشر الآداب الكريمة التي تعطي الحياة فرصا أكبر لمزيد من العدالة والتواضع والتعاون والشراكة الاجتماعية. ويمكن تحقيق ما سبق عبر آليات كثيرة منها:

1.إيجاد الحوافز المشجعة على التحلي بالخصال الحسنة والتنفير من أضدادها.

2.تقويه الوازع الديني والرقابة الذاتية فالذي يستشعر أن الله سبحانه هو الحسيب والرقيب يكون من أبعد الناس عن الغش والكذب والظلم.

3.استفتاح الأعمال الخيرة بالبسملة. كان الصالحون يستفتحون بعبارات كثيرة مقرونة بأسماء الله الحسنى الهادية لكل أمر جليل من مثل قولهم"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ يَا كَرِيمُ". وكذلك الختام يكون بالحمد والثناء.

4.تعويد الطالب على الاستعانة بترديد أسماء الله الحسنى إذا حزبه أمر أو داهمه اليأس وهو يواجه محن الحياة فالإيمان أعظم عاصم يجنبه السوء وينجيه من الهلاك.

5.التنمية الإنسانية بكافة أبعادها الهادفة يحبها الله ويمكن أن نتخذ من أسماء الله الحسنى أساسا لنشر مفاهيم مكافحة الظلم ، والفقر، والجهل ، والإلحاد، والحروب، والأمراض.

6.نشر معاني الخير والعدل والجمال فعَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- قَالَ:"إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ" (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . إن المعلمين والمعلمات في التربية الفنية والموسيقية والتدبير المنزلي يستطيعون تحويل المواهب والهوايات إلى مادة مؤثرة للإحساس بالحياة وتحمل المسئولية وتجويد الذوق الرفيع الذي يستمع بنعم الله السمعية والبصرية والحسية... وفي الحَدِيثِ: { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ } .

7.التذكير بالمعاني الجميلة لأسماء الله الحسنى وربطها بجميع المواد الدراسية الأدبية والعلمية والفنية كي ينظر المتعلم من خلالها النفس، والمجتمع ، والبشرية، والطبيعة.

8.تحبيب المتعلم بالأنس بالدعاء وطلب المَزِيدِ من كَرَمِهِ وَسَابِغِ مِنَّتِهِ في كل أمور الدنيا والآخرة.

9.استغلال القصص والأحداث الجارية لترسيخ متضمنات أسماء الله الحسنى ذات الصلة الوثيقة والدروس الواضحة وتحاشي الإقحام والتصنع والمبالغة فمن يتصنع شيئا لا علاقة له بالأمر قد يقع في عكس ما يرجوه فتضطرب المفاهيم وتستغلق الأذهان، وتضيع الحكم المقصودة. عرض الشيخ محمد الغزالي (1999م) في كتابه ركائز الإيمان قصة أصحاب الجنة المذكورة في سورة القلم ثم علق قائلا"وجمهرة العصاة والمفرطين تقع بين نسيان لله وريبة في وعدة، ولو صدقت معرفتهم، وطلع على نفوسهم شعاع من أسمائه الحسنى ، لتهذب سلوكهم ، وصلح عملهم" (ص 194) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت