فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ثم أنتم مع ذلك كله يا موفقون، ورغم ما كل ما تعملون لم تنسوا أن تستغلوا الإجازة الصيفية بزيارة الأقارب والأرحام، وكأني بكم تتمثلون حديث النبي حينما جاءه أعرابي فقال يا رسول الله أخبرني بأمر يدخلني الجنة وينجيني من النار؟ قال: فنظر إلى وجوه أصحابه وقال عليه السلام: (( لقد وفّق أو هُدي، لا تشرك بالله شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصل الرحم ) ) [أخرجه مسلم من حديث أبي أيوب] .
وأنتم مشفقون وجلون من وقوع الوعيد بكم إن أنتم قصرتم في صلة رحمكم متذكرين قول النبي قال الله تعالى: (( أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم واشتققت له اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ) ) [أخرجه الحاكم وأبو داود بإسناد صحيح] .
ثم بعد ذلك تتوجون عملكم ودعوتك وصلتكم لأرحامكم بزيارة لبلد الله الحرام والطواف بالبيت العتيق واستلام الحجر والسعي بين الصفا والمروة، ولسان حالكم يقول: يا ربنا هذا جهد المقل نقدمه لك وأنت الذي تبارك القليل وتغفر الكثير، والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة إنهم إلى ربهم راجعون. وتحنون الجباه وتعفرون الوجوه لرب الأرض والسماء، وأنتم تدعون الله تقولون: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
والعجيب من أمركم رغم جدكم ونشاطكم وقد ملئت أوقاتكم بالعلم والعمل الصالح وبالدعوة إلى الله لم تنسوا أبناءكم وبناتكم، فها أنتم تأخذونهم لسفرة قريبة، ومتعة بريئة، لا مكان للحرام فيها، فأقول لأمثال هؤلاء أبشروا والله فأنتم على خير عظيم، واصبروا فإن الدنيا دار ممر لا دار مقر، وإن الدنيا مآلها إلى الفناء، وسوف يحمد القوم السُرى، وستوقف المطايا على أبواب الجنة برحمة أرحم الراحمين، وسوف تعلم أن هذه الدنيا وأهلها ما كانوا إلا في غرور.
وإنه لا ينبغي عند لله إلا العمل الصالح، وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً، فاثبتوا يا موفقون ولا يغرنكم كثرة الهالكين، ولا تتابع الساقطين، وصبراً صبراً فإن الموعد الله.
وأما أنتم يا من ضربتم في كل واد بذنب، قد ملأتم إجازتكم بما يغضب الله، وعزمتم على ارتكاب ما حرم الله، وكأنكم ستخلدون في الدنيا، وكأنكم لن تحاسبوا على أعمالكم ولن تجازوا على معاصيكم وذنوبكم.
أغركم حلم الله عنكم وستره عليكم، أغركم أنكم تعصونه ويرزقكم وتقعون في الحرام ويفتح عليكم من الدنيا، ألم يطرق أسماعكم قول النبي: (( إذا رأيت الله يعطي العبد وهو قائم على معصيته فإنما هو استدراج ) ).
ما لي أراكم قد قطعتم تذاكر السفر إلى بلاد الكفر والانحلال، لتمكثوا بين ظهراني المشركين والكافرين، وأنتم تسمعون قول المصطفى: (( أنا برئ من كل مسلم بات بين ظهراني المشركين ) )وليس هذا فحسب بل ستأخذون أبناءكم وبناتكم معكم إلى تلك البلاد التي لا يردعها حياء ولا يمنعها دين، ليفتحوا أعينهم البريئة التي لم تألف المنكر بهذه البشاعة ولم تر الفساد بهذه الصورة، فبعد أن كانوا لا يرون إلا عماتهم وخالاتهم ومحارمهم المتحجبات، أصبحوا يرون المرأة بزيها الصارخ وبفسادها المتناهي، ليرجع لنا أبناؤك وبناتك بعد حين قد مسخوا من كل حياء ومن كل خلق، وينادون، ويطالبون بتقليد أولئك الفاجرات الكافرات.
قد يقول أحدكم: أنا لن اذهب إلى تلك البلاد الكافرة ولكن سأذهب إلى بعض البلاد العربية.
فأقول لك، قد علم كل عاقل أن أكثر هذه البلاد فيها من الفساد والشر مثل ما في البلاد الكافرة أو أشد.
فهاهي إعلاناتهم في الصحف والمجلات، لتنشيط السياحة، فحفلات غنائية صارخة، ومسرحيات وأفلام ساقطة، ومراقص ودور للفساد والبغاء.
كل هذا بحجة شيطانية قد زينها الشيطان لأصحابها وأسموها بغير اسمها، وظنوا أن تغيير الأسماء بغير الحقائق، فأسموها بالتنشيط السياحي.
وأدخلوا تحت هذه العنوان كل فاسد ومحرم، واستجلب الشر المستطير والوباء الخطير باسم التنشيط السياحي، وما علموا أنها تنشيط واستجلاب لعذاب الله جل جلاله، وسبب عظيم من أسباب غضب الجبار جل جلاله.
أيها المسلم: يا من تشهد ألا إله إلا الله، محمد رسول الله، كيف تجرؤ على المعصية ورب السموات والأرض ينظر إليك، أما تستحي من خالقك، والله لو قدرت الله حق قدره وعظمته حق تعظيمه لما سطوت على معصية، ولما تجرأت على محاربته بالذنوب والمعاصي.
لا إله إلا الله، سبحانك ما أحلمك، سبحانك ما أرحمك، تطاع فتشكر وتعصى فتغفر.
لا إله إلا الله وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه.
لا إله إلا الله ما أجرأنا على الله وهو يحلم عنا، وأشد تقصيرنا وهو يرزقنا ويعافينا.
لا إله إلا الله، كيف تتجرأ أيها الحقير المسكين على معصية الله، وكيف يجلس فيما حرم عليك وهو ينظر إليك، من أنت عند عظمة الله جل جلاله.