فهرس الكتاب

الصفحة 2143 من 9994

ومن هذه البشارات بشارة موسى عليه السلام بنبينا صلى الله عليه وسلم، وقد دلّ القرآن الكريم نصًّا على وجود هذه البشارة في التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الأمّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ} [الأعراف:157] ، وقد بقي من هذه البشارة بقية في التوراة، ففي سفر التثنية الإصحاح (18) ، فقرة (18-19) قال الله لموسى: (أقيم لهم ـ أي لبني إسرائيل ـ نبيًّا من وسط إخوتِهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه) .

قال الدكتور عمر الأشقر:"ودلالة هذه البشارة على رسولنا صلى الله عليه وسلم بيِّنة، ذلك أنّه من بني إسماعيل، وهم إخوة بني إسرائيل، فجدّهم هو إسحاق، وإسماعيل وإسحاق أخوان، ثم هو أوسط العرب نسبًا، وقوله (مثلك) أي: صاحب شريعة مثل موسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي جعل الله كلامه في فمه، حيث كان أميًّا لا يقرأ من الصحف، ولكنّ الله يوحي إليه كلامه فيحفظه ويرتله، وهو الرسول المرسل إلى النّاس كافة، وبنو إسرائيل مطالبون باتباعه وترك شريعتهم لشريعته، ومن لم يفعل فإنّ الله معذبه (ويكون أنّ الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه) " ( [4] ) .

3-النظر في أحوال الأنبياء:

إنّ النظر في حال الرجل وسيرته يفصح عن صدقه، ويشفّ عن باطنه، ولقد أرشد القرآن إلى هذا النوع من الاستدلال قال تعالى: {قُل لَّوْ شَاء اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس:16] ، يقول لهم: لقد مكثت فيكم زمنًا ليس باليسير قبل أن أخبركم بأنني نبيّ، فكيف كانت سيرتِي فيكم؟ وكيف كان صدقي إيَّاكم؟ أفأترك الكذب على النّاس، وأكذب على ربّ النّاس؟! {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ؟! ألا تعملون عقولكم لتهديكم إلى الحقّ؟

قال ابن كثير:"أي: هذا إنّما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته وإرادته، والدليل على أنِّي لستُ أتقوله من عندي ولا افتريته أنّكم عاجزون عن معارضته، وأنَّكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأتُ بينكم إلى حين بعثني الله عزّ وجلّ، لا تنتقدون عليَّ شيئًا تغمصونِي به، ولهذا قال: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي: أفليس لكم عقول تعرفون بِها الحقّ من الباطل؟! ولهذا لَمَّا سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ومَن معه فيما سأله من صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال هرقل لأبِي سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا، وكان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين ومع هذا اعترف بالحق، والفضل ما شهدت به الأعداء، فقال له هرقل: فقد أعرف أنّه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله ( [5] ) . وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة: بعث الله فينا رسولاً، نعرف صدقه ونسبه وأمانته، وقد كانت مدة مقامه عليه السلام بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة" ( [6] ) .

وبعض النّاس لم يحتج إلى برهان ودليل ليستدلَّ بذلك على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنّ شخصه وحياته وسيرته هي أعظم دليل، ومن هؤلاء أبو بكر الصديق، فإنّ الرسول صلى الله عليه وسلم عندما دعاه لم يتردد، ونظر عبد الله بن سلام في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم نظرة واحدة، ولكنها كانت كافية لتدلّه على أنّ هذا وجه صادق ليس بكاذب، قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة، وخرج عبد الله بن سلام عالم اليهود مع الخارجين ينظر في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: لما رأيتُ وجهه علمتُ أنّ وجهه ليس بوجهٍ كذّاب ( [7] ) .

وقالت خديجة رضي الله عنها عندما فزع النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الوحي في الغار: كلا ـ والله ـ لا يخزيك الله أبدًا، إنّك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقّ ( [8] ) .

وممّا يدل على صدق الرسل من خلال التأمل في سيرتِهم، أنّ الرسل أزهد النّاس في متاع الدنيا وعرضها الزائل وبَهرجها الكاذب، لا يطالبون النّاس الذين يدعونَهم أجرًا ولا مالاً، فهم يبذلون لهم الخير لا ينتظرون منهم جزاءً ولا شكورًا، قال نوح عليه السلام: {وَياقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ} [هود:29] ، وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس: {مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبّهِ سَبِيلاً} [الفرقان:57] .

4-النظر في دعوة الأنبياء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت