فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إنّ التكامل في المنهج لإصلاح الإنسان ولإصلاح المجتمع الإنسانِي، ودينًا كهذا يقول الذين جاؤوا به إنّه منَزَّلٌ من عند الله لا بدّ أن يكون في غاية الكمال، خاليًا من النقائص والعيوب، لا يتعارض مع فطرة الإنسان وسنن الكون، وقد وجهنا القرآن إلى هذا النوع من الاستدلال حيث قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً} [النساء: 82] ، فكونُه وحدة متكاملة يصدق بعضه بعضًا، لا تناقض فيه ولا اختلاف دليلٌ واضحٌ على صدق الذي جاء به.
سئل أعرابِيّ: بم عرفتَ أنّ محمدًا رسول الله؟ فقال: ما أمر بشيءٍ فقال العقل: ليته نَهى عنه، ولا نَهى عن شيءٍ فقال العقل: ليته أمر به ( [9] ) .
وهذا الرسول الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب صلى الله عليه وسلم يأتِي بما يعجز عنه الإنس والجنّ، وقد حوى الأخبار الماضية والآتية، وما تحار منه العقول قال تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48] . فكلّ من أنكر رسالته فهو مكابرٌ أعظم المكابرة، كما كانت قريشٌ تجحد صدق الرسول، وهم موقنون بأمره قال تعالى: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ وَلَاكِنَّ الظَّالِمِينَ بِئَايَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] ، ووصلت بِهم السفاهة إلى الزعم بأنّ الذي يأتِي محمدًا صلى الله عليه وسلم بِهذا العلم حدادٌ رومي كان بمكة فقال تعالى: {لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَاذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ} [النحل: 103] .
5-نصر الله وتأييده لهم:
تأييد الله لرسله ونصرته لهم وحفظه إيّاهم دليلٌ يحيل أيّ احتمال لكذبِهم، فإنّ العقول لا تقبل أن تتصوَّر مدعيًا للنبوة كاذبًا في دعواه وهو مع ذلك يرسل الله ملائكته لنصرته، ويستجيب دعاءه إذا دعاه، إنّ هذا لا يتصور من ملِك من الملوك، فكيف بخالق الأرض والسموات، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع من الاستدلال حيث قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [يونس:69] فحكم بعدم فلاحه، وقال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ صلى الله عليه وسلم لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ s ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة:44-46] .
وهذا مسيلمة والأسود العنسي قطع الله دابرهما، وانتقم منهما، وانظر إلى المسيح الدجال، كيف كان الأنبياء يحذرون منه، فهو رجلٌ أعور، مكتوبٌ بين عينه كافر.
( [1] ) البخاري في المناقب، باب هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه (3906) من حديث عائشة رضي الله عنها.
( [2] ) مسلم في الجهاد والسير، باب غزوة حنين (1775) من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.
( [3] ) مسلم في صفة القيامة والجنة والنار، باب قوله تعالى: ?إنّ الإنسان ليطغى? (2797) .
( [4] ) الرسل والرسالات (ص: 166) .
( [5] ) البخاري في بدء الوحي، باب بدء الوحي (7) .
( [6] ) تفسير ابن كثير (2/411) .
( [7] ) الترمذيّ في صفة القيامة والرقائق والورع، باب منه (2485) ، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في قيام الليل (1334) .
( [8] ) البخاري في بدء الوحي، باب بدء الوحي (4) ، ومسلم في الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله (160) .
( [9] ) انظر: مفتاح دار السعادة (2/6-7) .
سادسا: وظائف الأنبياء والرسل:
1-البلاغ المبين:
الرسل سفراء الله إلى عباده وحملة وحيه، ومهمتهم الأولى هي إبلاغ هذه الأمانة التي تحمَّلوها إلى عباد الله قال تعالى: {الَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} [الأحزاب:39] .
ومن البلاغ أن يوضح الرسول ما أنزله الله لعباده، لأنّه أقدر من غيره على التعرف على معانيه ومراميه، وأعرف من غيره بمراد الله من وحيه، وفي ذلك يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44] ، وكان الرسل يبيِّنون وحيَ الله تعالى بأقوالهم وأفعالهم، حتى تمثل ما جاؤوا به في أفعالهم، وقد أجابت عائشة مَن سألها عن خلق النبيِّ صلى الله عليه وسلم، بقولها: ألستَ تقرأ القرآن؟! قال: بلى، قالت: فإنّ خلق نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن ( [1] ) .
وهم لا يملكون حمل النّاس على قبول دعوتِهم، وإنّما عليهم البلاغ المبين، قال تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص:56] ، وقال تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة:92] .
2-الدعوة إلى توحيد الله تعالى: