فهرس الكتاب

الصفحة 2145 من 9994

لا تقف مهمة الرسل عند بيان الحقِّ وإبلاغه، بل عليهم دعوة النّاس إلى الأخذ بدعوتِهم والاستجابة لها، وتحقيقها في أنفسهم اعتقادًا وقولاً وعملاً ( [2] ) ؛ لأنّه لا بدّ من تعليم النّاس الطريقة الصحيحة لعبادة الله تعالى كما شرعها سبحانه، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا اله إِلاَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25] ، وقد بذلت الرسل في سبيل دعوة النّاس جهودًا عظيمة جدًا، وهذا نبيُّ الله نوح قضى تسعمائة وخمسين سنة يدعو قومه إلى عبادة الله، واستخدم في دعوته لهم كل الطرق وشتّى الوسائل، قال تعالى: {قَالَ رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً (6) وَإِنّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَابِعَهُمْ فِى ءاذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَاسْتَكْبَرُواْ اسْتِكْبَاراً (7) ثُمَّ إِنّى دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً (8) ثُمَّ إِنّى أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} [نوح:5-9] ، ومع ذلك أخبر الله أنّه لم يؤمن معه إلاّ قليل: {وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} [هود:40] .

3-التبشير والإنذار:

التبشير والإنذار اقترنا بدعوة الرسل، قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [الأنعام: 48] .

وتبشير الرسل وإنذارهم دنيوي وأخروي، فهم في الدنيا يبشرون الطائعين بالحياة الطيبة، {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل:97] ، ويعدونَهم بالعزّ والتمكين والأمن {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً} [النور:55] .

ويُخوِّفون العصاة بالشقاء الدنيوي، {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} [طه:124] ، ويخوِّفون المجرمين والعصاة عذاب الله في الآخرة: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء:14] .

4-إصلاح النفوس وتزكيتها:

بعث الله الرسل ليخرجوا النّاس من الظلمات إلى النور، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: 5] ، ولا يتحقق ذلك إلاّ بتعليمهم تعاليم ربِّهم وتزكية نفوسهم بتعريفهم بربِّهم وأسمائه وصفاته، وتعريفهم بملائكته وكتبه ورسله، وتعريفهم ما ينفعهم وما يضرّهم، ودلالتهم على السبيل التي توصلهم إلى محبته، وتعريفهم بعبادتِه.

وقال تعالى: {هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الأُمّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ} [الجمعة:2] .

قال القرطبيّ:"أي يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان" ( [3] ) .

وقال البيضاويّ:"يطهرهم من دنس الطباع، وسوء الاعتقاد والأعمال" ( [4] ) .

5-تقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائفة:

الأصل في فطرة الإنسان أنّه قابل للتوحيد، لو تُرك لم يختر سواه، ولكن النّاس انحرفوا لأسباب شتّى، قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [البقرة:213] ، وفي الحديث: (( وإنِّي خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين ) ) ( [5] ) .

قال ابن عبّاس: (كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) ( [6] ) .

6-إقامة الحجّة:

من الغايات التي أرسل الله الرسل لأجلها إقامة الحجّة على عباده، حتى لا يبقى للنّاس حجّة يوم القيامة قال تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165] .

قال ابن كثير:"أي: أنّه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبيَّن ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه لئلا يبقى لمعتذر عذرٌ، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءايَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى} [طه:134] " ( [7] ) .

وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (( وليس أحد أحبَّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسل ) ) ( [8] ) .

7-سياسة الأمّة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت