فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الذين يستجيبون للرسل يكوِّنون أمّة تحتاج إلى من يسوسها ويقودها ويدبِّر أمورها، والرسل هم خير من يقومون بِهذه المهمة في حال حياتِهم، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} [المائدة:48] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلّما هلك نبيٌّ قام نبيٌّ ) ) ( [9] ) .
ولذلك أوجب الله طاعة رسله والتحاكم إليهم، والرضا بقضائهم قال تعالى: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء:65] .
قال ابن كثير:"يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنّه لا يؤمن أحد حتى يُحكِّم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور. فما حكم به فهو الحقّ الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال: {لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} أي: إذا حكَّموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلِّمون لذلك تسليمًا كليًّا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة" ( [10] ) .
( [1] ) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنها أو مرض.
( [2] ) انظر: الرسل والرسالات. د/ عمر الأشقر (ص: 45) .
( [3] ) تفسير القرطبي (18-92) .
( [4] ) تفسير البيضاوي (2/111) .
( [5] ) أخرجه ابن حبّان في صحيحه (الإحسان 2/423) .
( [6] ) أخرجه ابن جرير في تفسيره (2/334) .
( [7] ) تفسير ابن كثير (1/589) .
( [8] ) جزء من حديث أخرجه مسلم في التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش (2760) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
( [9] ) جزء من حديث أخرجه مسلم في الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (1842) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
( [10] ) تفسير ابن كثير (1/251) .
سابعا: فوائد متنوعة:
1-أنواع الوحي:
الوحي يأتي على صور هي:
أ- الإلقاء في الروع:
الإلقاء في روع النبيِّ الموحى إليه ـ بحيث لا يمتري النبيّ في أنّ الذي ألقي في قلبه من الله تعالى ـ نوعٌ من أنواع الوحي، كما جاء في صحيح ابن حبّان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (( إنّ روح القدس نفث في روعي: إنّ نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ) ) ( [1] ) .
ب- الرؤيا الصادقة:
رؤيا الأنبياء وحي، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (رؤيا الأنبياء وحي) ( [2] ) ، وقال عبيد بن عمير:"رؤيا الأنبياء وحي، ثم قرأ: {إِنّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ} [الصافات:102] " ( [3] ) .
وقال القرطبيُّ:"كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله تعالى أيقاظًا ورقودًا، فإنّ الأنبياء لا تنام قلوبُهم، وهذا ثابت في الخبر المرفوع، قال صلى الله عليه وسلم: (( إنَّا معاشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا ) ) ( [4] ) ، وقال ابن إسحاق: رؤيا الأنبياء وحيٌّ. واستدل بِهذه الآية" ( [5] ) .
وممّا أوحي إلى النبيِّ صلى الله عليه سلم في المنام من القرآن سورة الكوثر، عن أنس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: (( أًنزِلت علي آنفًا سورةٌ ) )، فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [سورة الكوثر] ، ثم قال: (( أتدرون ما الكوثر؟ ) ). فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال: (( إنّه نَهر وعدنيه ربِّي عزّ وجلّ عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم، فأقول: ربِّ إنّه من أمتي. فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك ) ) ( [6] ) .
قال النوويُّ:"قوله: (أغفى إغفاءة) أي: نام" ( [7] ) .
وقال الثعالبيُّ:"الإغفاء هو النوم الخفيف" ( [8] ) .
ج- تكليم الله لرسله من وراء حجاب: