فهرس الكتاب

الصفحة 2148 من 9994

الحاجة إلى إرسال الرسل وبعثهم عظيمة، قال ابن القيّم:"فإنّه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلاَّ على أيدي الرسل. ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلاَّ من جهتهم. ولا ينال رضا الله ألبتة إلاَّ على أيديهم. فالطيِّب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلاَّ هديُهم، وما جاءوا به. فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال. وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال. فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتِها. فأيُّ ضرورة وحاجة فُرِضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير، وما ظنّك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك، وصار كالحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلاة. فحال العبد عند مفارقه قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال، بل أعظم. ولكن لا يحسّ بِهذا إلاّ قلب حي، و ما لجرح بميت إيلام، وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بِهدي النبيّ فيجب على كل من نصح نفسه، وأحبّ نجاتَها وسعادتَها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه. والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم" ( [16] ) .

6-مقتضى بشرية الأنبياء والرسل:

أنبياء الله ورسله بشر كسائر البشر، اصطفاهم الله تعالى وفضلهم وكرمهم بالوحي إليهم، ومن مقتضى بشريتهم:

أ- أنهم يتعرضون للبلاء كسائر البشر:

فيتعرضون للسجن كما سجن يوسف عليه السلام قال تعالى: {فَلَبِثَ فِى السّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف:42] ، ويُقتَلون كما كانت بنو إسرائيل تفعل بأنبيائها قال تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87] ، وتصيبهم اللأواء والأدواء كما ابتلى الله نبيَّه أيوب عليه السلام: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء:83] ، بل هم أشدّ النّاس بلاءً، فعن سعد بن أبِي وقاص قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: (( الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه. فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة ) ) ( [17] ) .

ب- أنهم يشتغلون بأعمال البشر:

كانوا يمارسون الأعمال التي يمارسها البشر، فاشتغل النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالتجارة قبل البعثة، واشتغل كذلك برعي الغنم، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نجني الكَبَاث ( [18] ) ، وإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( عليكم بالأسود منه، فإنّه أطيبه ) ). قالوا: أكنت ترعى الغنم؟ قال: (( وهل من نبيٍّ إلاَّ وقد رعاها؟! ) ) ( [19] ) .

وكان داود عليه السلام حدادًا يصنع الدروع قال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء:80] .

ج- ليس فيهم شيء من خصائص الألوهية والملائكية:

من مقتضيات كونِهم بشرًا أنّهم ليسوا بآلهة، وليس فيهم من صفات الألوهية شيءٌ، ولذلك فإنّ الرسل يتبرؤون من الحول والطول ويعتصمون بالله الواحد الأحد، ولا يدَّعون شيئًا من صفات الله تعالى قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَءنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى وَأُمّىَ الهيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة:116] ، وقال الله تعالى لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً} [الإسراء:93] .

7-الخطأ في إصابة الحقّ منهم لا ينقض عصمتهم:

الأنبياء والرسل يجتهدون في حكم ما يعرض عليهم في القضاء من وقائع، ويحكمون وفق ما يبدو لهم، فهم لا يعلمون الغيب، وقد يخطئون في إصابة الحقّ، فمن ذلك عدم إصابة داود عليه السلام في الحكم، وتوفيق الله لابنه سليمان في تلك المسأٍلة، عن أبِي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( كانت امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب، فذهب بابن إحداهما. فقالت صاحبتها: إنّما ذهب بابنك. وقالت الأخرى: إنّما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقُّه بينهما. فقالت الصغرى: لا تفعل ـ يرحمك الله ـ هو ابنها. فقضى به للصغرى ) ) ( [20] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت