فهرس الكتاب

الصفحة 2149 من 9994

وعن أم سلمة رضي الله عنها أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إنّما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنّما أقطع له قطعة من النار ) ) ( [21] ) .

ولا يناقض هذا القولَ بعصمة الأنبياء من الخطأ في التبليغ عن لله تعالى، لأنهم لا يقَرُّون على ذلك.

8-اليهود والنصاري ينسبون القبائح إلى الأنبياء ( [22] ) :

ينسب اليهود إلى الأنبياء والمرسلين أعمالاً قبيحة، فمن ذلك:

ـ أنّ نبيّ الله هارون صنع عجلاً، وعبده مع بني إسرائيل. (إصحاح 32/1 من سفر الخروج) .

والقرآن يقصّ علينا أنّ من صنع ذلك هو السامريّ، وأنّ هارون أنكر ذلك أعظم الإنكار قال تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ ياقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَانُ فَاتَّبِعُونِى وَأَطِيعُواْ أَمْرِى} [طه:90] .

ـ أنّ إبراهيم خليل الرحمن قدّم امرأته سارة إلى فرعون حتى ينال الخير بسببها. (إصحاح 12/14 من سفر التكوين) .

وقد قصّ الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القصة عن إبراهيم عند دخوله مصر، وفيها أنّ ملك مصر كان طاغية، وكان إذا وجد امرأة جميلة ذات زوجٍ قتل زوجها، وحازها لنفسه، فلما سئل إبراهيم عنها قال: هي أخته، يعني أخته في الإسلام، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنّ الله حفظ سارة عندما ذهبت إلى الطاغية، فلم يمسها بأذى، وأخدمها جارية، هي هاجر أم العرب المستعربة ( [23] ) .

ـ ومن ذلك أنّ لوطًا عليه السلام شرب خمرًا حتى سكر، ثم قام على ابنتيه فزنا بِهما الواحدة بعد الأخرى. (إصحاح 19/30 من سفر التكوين) .

ومعاذ الله أن يكون هذا النبيّ الكريم على الله أن يفعل ذلك، وهو قضى عمره يدعو إلى الفضيلة ويحارب الرذيلة.

ـ وورد في إنجيل متى أنّ عيسى من نسل سليمان بن داود وأن جدهم فارض الذي هو من نسل الزنَا من يَهوذا بن يعقوب. (إصحاح متى الأول/10) .

ـ وفي إصحاح يوحنا الإصحاح الثانِي/4 أنّ يسوع أهان أمّه في وسط جمعٍ من الناس، فأين هذا ممّا وصفه القرآن: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّا} [مريم:32] .

9-كرامات الأولياء:

من أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات ( [24] ) .

وقد أنكر الإمام أحمد على الذين نفوا كرامات الأنبياء ولم يصدقوا بِها، وضلَّلهم ( [25] ) .

ومن حكمة إجراء الله هذه الأمور الخارقة للعادة إكرامًا لهم لصلاحهم وقوة إيمانِهم، وقد يكون سدًا لحاجاتِهم، أو نصرة لدينه، ورفعةً لكلمته، وإحقاقًا للحقّ وإبطالاً للباطل.

قال شيخ الإسلام:"وأمَّا كرامات الأولياء؛ فهي أيضًا من آيات الأنبياء، فإنّها إنّما تكون لمن تشهد لهم بالرسالة، فهي دليل على صدق الشاهد لهم بالنبوة. وأيضًا فإنّ كرامات الأولياء معتادة من الصالحين، ومعجزات الأنبياء فوق ذلك، فانشقاق القمر والإتيان بالقرآن وانقلاب العصا حية وخروج الدابة من صخرة لم يكن مثله للأولياء. وكذلك خلق الطير من الطين، ولكن آياتِهم صغار وكبار، كما قال تعالى: {فأراه الآية الكبرى} [النازعات:20] ، فلله تعالى آية كبيرة وصغيرة، وقال عن نبيِّه محمّد: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} [النجم:18] ، فالآيات الكبرى مختصة بِهم، وأمَّا الآيات الصغرى فقد تكون للصالحين، مثل تكثير الطعام، فهذا قد وجد لغير واحد من الصالحين، لكن لم يوجد كما وُجِد للنبيِّ صلى الله عليه وسلم أنّه أطعم الجيش من شيء يسير" ( [26] ) .

وقال:"ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء، وما يُجري اللهُ على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات" ( [27] ) .

ومن ذلك: تسخير الله فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء لمريم عليها السلام: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَاذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] .

والنور الذي جعله الله في عصا كلٍّ من أسيد بن الحضير وعباد بن بشر، تحدثا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم ( [28] ) .

والأمر الخارق للعادة ليس دليلاً على الكرامة، ولا فضيلة من جرت على يديه، قال أبو علي الجوزجانِي:"كن طالبًا للاستقامة، لا طالبًا للكرامة، فإنّ نفسك منجبلة على طلب الكرامة، وربّك يطلب منك الاستقامة، قال بعض من فهم قوله: وهذا أصلٌ عظيمٌ كبيرٌ في الباب، وسرٌّ غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلاب" ( [29] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت