فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
روى البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه: أنه كان رجل نصراني فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فعاد نصرانيا وصار يقول: لا يدري محمد صلى الله عليه وسلم إلا ما كتبت له - يدعي أنه هو الذي أدخل الدين على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه كان يفعل ذلك ويمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس من القرآن أو ما ليس من الدين- قال: فأماته الله عز وجل، فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض فقال أهله: فعل محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه نبشوه فأخرجوه فحفروا له أعمق ما يستطيعون فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس فتركوه .
وفي لفظ مسلم: فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب فرفعوه -أي فعظموه- وقالوا: هذا يكتب لمحمد فأعجبوا به فما لبث أن قصم الله عنقه، فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجه فتركوه منبوذا .
واستنبط المسلمون من ذلك أن كل متعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم له عقوبة معجلة أو مؤجلة قطعا ويقينا بل إنهم طبقوا ذلك في واقع عملهم كما نقلوا ذلك ابن تيمية رحمه الله، قال:"في بعض معارك المسلمين مع بني الأصفر أي الروم قال: كنا -بعضهم يروون- كنا ربما نحاصر المدينة أو الحصن شهرا أو شهرين ويستعصي علينا فينال أهله من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشتمونه فلا يلبثوا يوما أو يومين إلا ويفتح علينا ونوقع بهم ما هم أهله"
حتى قال بعضهم:"كنا نستبشر بذلك ونحن نكره منهم لما يكون من النصر عليهم والانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم".
تلك صور حقيقية واقعية تصور المشاعر النفسية والمحبة القلبية والتعظيم الحقيقي الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تصور الغيرة والحمية والنصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، التي تبلغ أن يقف المسلم في وجه أبيه أو من هو أقرب إليه منه وأن يقف في وجه الدنيا كلها انتصارا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بل أن يزهق نفسه وروحه فداء وحماية لرسول الله عليه الصلاة والسلام، كما فعل الأصحاب يوم أحد عندما اجتمع عليه المشركون فأحاط به الأنصار رضوان الله عليهم، وقضى بين يديه سبعة منهم شهداء واحدا إثر الآخر، وإلى جواره طلحة بن عبيد الله أيضا، ينافح عنه رضي الله عنه وأرضاه، أراد النبي أن يرتقي صخرة فلم يستطع، فجعل طلحة رضي الله عنه ظهره موطئا لقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرتفع وجاء أبو طلحة وكان النبي يأمر الصحابة أن ينثروا له السهام لينافح عن النبي صلى الله عليه وسلم والنبي يكبر ويثني عليه ثم يشرف إلى القوم فيقول:"يا رسول الله لا تشرف على القوم فيصيبك سهم .. نحري دون نحرك يا رسول الله".
لم يكن قول لم تكن عواطف كانت مواقف عظيمة وكانت أمة الإسلام مجمعة إجماعا ليس فيه أدنى شك بأن النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الانتقاص من قدره أو الاستهزاء به أنه إن صدر من مسلم، فهو كافر بالإجماع مباح الدم، بل قد قال بعض الفقهاء: ( إنه لا تصح له توبة ) .
وأحسب أننا نعلم اليوم ما الذي يدعونا إلى هذا الحديث، وقد صورنا شيئا من العظمة الربانية التي جعلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بآيات القرآن الخالدة إلى قيام الساعة وصورنا صور انعكاس ذلك في قلوب ونفوس ومشاعر الأصحاب رضوان الله عليهم، وفي مواقفهم وغيرتهم، وعلمنا ونعلم كذلك تلك الأوامر الربانية التي تدعونا إلى التعظيم والتوقير من جهة وتدعونا إلى ترك الأذى من جهة وتحملنا تبعا لذلك كما أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم وكما أمرت بذلك سنته أن تكون لنا الغيرة الإيمانية التي ندرأ بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما يتعلق بالانتقاص منه أو الاستهزاء به أو النيل من مقامه وقدره عليه الصلاة والسلام.
وأمة المليار تحتاج اليوم إلى الانتصار للنبي المختار صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الناس جميعا اليوم في هذه القرية الصغيرة كما يقولون قد علموا وسمعوا وربما رأوا بأعينهم ما نشر من رسوم الاستهزاء وكلمات البذاءة التي وجهت إلى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ما أحسب أنا رأينا صورة من هذه الصور التي أوردتها وهي قليل من كثير، لا قولا ولا شعورا ولا عملا كما كان في هذه المواقف العظيمة الجليلة لأولئك المؤمنين الصادقين ونحن نملأ الكون إدعاء بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وربما نكتفي بذكر الكلمات أو القصائد والأشعار، نرنمها ونرددها ونتغنى بها ونزعم أنا قمنا بحق النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان الاعتداء يمسنا في أشخاصنا أو يمس من يعز علينا ممن له قدر أو مقام عندنا لكان حالنا ربما على غير هذه الحال وللأسف الشديد.
وربما لو نظرنا إلى الأمة الإسلامية كلها لقلنا لو أن النيل جاء لدولة من دولها أو قائد من قادتها لرأينا كيف تحمر الأنوف وكيف ترتعد الفرائص وكيف تكون المواقف فكأن مقام وقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهون من ذلك والعياذ بالله.